شركة تضامن للمحاماة

أقسام المسؤولية المدنية

لا شك أن القانون المدني يلعب دوراً هاماً في تنظيم علاقات الأشخاص داخل المجتمع؛ عن طريق الحفاظ على التوازن فيما بين الذمم المالية، وإعادة هذا التوازن كلما أصابه خلل، وتلعب المسؤولية المدنية دور فاعل في هذا المجال . فعن طريقها يمكن إعادة حالة التوازن إلى الذمم المالية بإلزام المسئول بجبر ضرر المضرور، وتعني المسؤولية المدنية بصفة عامة: التزام يقع على عاتق الشخص بتعويض الأضرار التي أحدثها للآخرين، وتقوم المسؤولية المدنية عند كل إخلال بالتزام أياً كان مصدره، والجزاء في هذه الحالة يتمثل في تعويضاً يطالب به المضرور فهو حق خاص به، وبالتالي فيجوز له التنازل عنه أو التصالح بشأنه.

والمسؤولية المدنية تستجيب لفكرة واحدة وهي الالتزام بتعويض الضرر المترتب على الإخلال بالتزام أصلي سابق، والالتزام الأصلي السابق يختلف باختلاف مصدره، فقد يكون مصدره العقد، وقد يكون مصدره القانون،،وبسبب اختلاف مصدر الالتزام الأصلي السابق تتنوع المسؤولية المدنية إلى مسؤولية عقدية، ومسؤولية تقصيرية.

التمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية

اختلف الفقه اختلافا كبيراً وانقسم بصدد ذلك إلى طائفتين، طائفة تقول بازدواج المسؤولية وطائفة تقول بأنهما شئ واحد فالرأي الأول، وهو رأي الأغلبية، يفرق بين نوعي المسؤولية من عدة نواح سوف نعرضها وسوف نرى بماذا يرد الرأي الثاني :

أولا:من حيث الأهلية : يقول الرأي الأول أن المسؤولية العقدية تستلزم أهلية التعاقد، بينما تكفى في المسؤولية التقصيرية أهلية التمييز. ويرد الرأي الثاني على هذه التفرقة أن أهلية التعاقد وأهلية المسؤولية العقدية شئ آخر، فبينما تشترط أهلية التعاقد في إبرام العقد، فإن إخلال المدين بالتزامه العقدي ينهي الالتزام العقدي ويحل محله التزام بالتعويض لا يشترط فيه أهلية التعاقد، وإنما تكفى فيه أهلية التمييز، بحيث لو أن المدين فقد أهلية التعاقد بعد العقد فإن مسؤولية العقدية لا تتأثر ما دام يتمتع بأهلية التمييز.

ثانياً : من حيث الإعذار : فأنصار ازدواج المسؤولية يقولون أن الإعذار واجب في المسؤولية العقدية دون المسؤولية التقصيرية، و أنصار وحدة المسؤولية يردون على ذلك بقولهم أن الاعذار ليس مطلوبا في المسؤولية العقدية إلا إذا تأخر المدين في تنفيذ التزامه، وليس مطلوبا إذا لم ينفذ فعلا التزامه، إذ لا تكون للاعذار جدوى حينئذ، وفي المسؤولية التقصيرية ليس هناك تأخر في تنفيذ الالتزام، وإنما هناك عدم تنفيذ دائما .

ثالثاً : من حيث الإثبات : يقول الرأي الأول أن الإثبات في المسؤولية العقدية يقع على عاتق المدين، وفي المسؤولية التقصيرية يقع على عاتق الدائن، ويرد أنصار الوحدة بأن الإثبات لا يختلف بحسب طبيعة المسؤولية بل بحسب طبيعة الالتزام، فإذا كان إيجابيا فعلى المدين إثبات أنه قام به، وإذا كان سلبيا كان على الدائن إثبات أن المدين أخل به، وبما أن الالتزام في المسؤولية التقصيرية دائما سلبي، فعبء الإثبات فيه يقع على الدائن كما في الالتزام السلبي في المسؤولية من حيث الإثبات .

رابعاً : من حيث مدى التعويض : يفرق أنصار ازدواج المسؤولية بين مدى التعويض في المسؤولية التقصيرية ويقولون أنه يشمل الضرر المتوقع وغير المتوقع، ويرى البعض منهم أنه يشمل الضرر المباشر وغير المباشر، بينما في المسؤولية العقدية لا يشمل إلا الضرر المتوقع والمباشر . ويرد أنصار وحدة المسؤولية بأن ذلك يرجع إلى أن المتعاقدين عندما تعاقدا قد أدخلا في حسبانهما ما يتوقع من التعويض عند التأخير أو عدم التنفيذ، بينما في المسؤولية التقصيرية لم يكن المسؤول والمضرور يعرفان بعضهما قبل حدوث الضرر حتى يتوقعا مدى التعويض .

خامساً : من حيث التضامن : يقول أنصار ازدواج المسؤولية أن التضامن واجب بحكم القانون في المسؤولية التقصيرية، بينما التضامن لا يثبت إلا بالاتفاق أو بالنص في المسؤولية العقدية . ويرد أنصار وحدة المسؤولية على ذلك بقولهم أن القانون قد جعل المسؤولين تقصيرياً متضامنين لأن خطأ كل منهم كان هو السبب في الضرر، لا سيما إذا أخذ بنظرية تكافؤ الأسباب، ومن ناحية أخرى، فبما أن المسؤولية العقدية تترتب على الإخلال بالتزام إداري فإن للمتعاقدين بمحض إرادتهما أن يشترطا التضامن أو لا يشترطاه، بينما في المسؤولية التقصيرية لا دخل لإدارة الدائن والمدين وقد تولى القانون نفسه شرط التضامن .

سادساً : من حيث الإعفاء : يقول أنصار ازدواج المسؤولية أن الإعفاء من المسؤولية العقدية جائز، بينما هو باطل في المسؤولية التقصيرية . ويرد أنصار الوحدة على ذلك بقولهم أن أحكام المسؤولية التقصيرية من النظام العام، والقانون هو الذي تولى الجزاء عليها، بينما أحكام المسؤولية العقدية اتفاقية، وللمتعاقدين أن يحددا مدى الالتزام بالتعويض بإرادتهما أو يتفقا على الإعفاء منه، ومع ذلك فإن القانون يبطل الاتفاق على إعفاء المدين في المسؤولية العقدية من غشه أو خطئه الجسيم .

سابعاً : من حيث التقادم : يرى أنصار ازدواج المسؤولية أن مدد التقادم في بعض التشريعات تختلف في المسؤولية التقصيرية وفي المسؤولية العقدية . تقضي بسقوط دعوى التعويض في المسؤولية التقصيرية بمضي ثلاث سنوات أو بمضي سنة في القانون السوري من يوم علم المضرور بالضرر وبشخص المسؤول وإلا فبمضي المدة الطويلة، ولا محل لهذا التقادم القصير في المسؤولية العقدية التي لا تتقادم دعوى التعويض فيها إلا بمضي المدة الطويلة .

ثامناً : من حيث رقابة المحكمة العليا : يقول أنصار ازدواج المسؤولية إن المحكمة العليا لا رقابة لها في تفسير قاضي الموضوع لأحكام المسؤولية العقدية لأنها مسألة واقع، ترجع إلى تفسير الالتزامات الواردة في العقد، وتخضع لتقدير قضاء الموضوع دون تعقيب من المحكمة العليا، بينما في المسؤولية التقصيرية يتعلق الأمر بتطبيق القانون ويخضع القاضي في تفسيره لأحكامها لرقابة المحكمة العليا.

تاسعاً : من حيث طبيعة التعويض : يقول أنصار ازدواج المسؤولية أن التعويض في المسؤولية العقدية دائما نقدي بينما يجوز في المسؤولية التقصيرية أن يكون التعويض عينياً، كهدم حائط أو أن يكون مجرد نشر تكذيب في الصحف . وبرد أنصار الوحدة على ذلك بقولهم أنه لا مانع مطلقاً ما أن يكون التعويض في المسؤولية العقدية عيناً ما دام متروكاً لإرادة المتعاقدين

عاشراً : من حيث تقدير التعويض

التعويض في المسؤولية العقدية يقدر دائماً بمعيار ما أصاب الدائن من خسارة وما فاته من ربح، كما أن للمتعاقدين أن يتفقا على تعويض محدد كما في الشرط الجزائي، ولا يتخل القاضي في ذلك إلا ‘ذا طالب أحد المتعاقدين بتعديله لأسباب نص عليها القانون، بينما في المسؤولية التقصيرية يترك تقدير التعويض للقضاء يحدده طبقاً لمعايير تختلف باختلاف جسامة الخطأ وفداحة الضرر،ويتفق الإجماع على التعويض عن الضرر الأدبي في المسؤولية التقصيرية بينما في العقدية مختلف فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *