يقصد بالإشراف القضائي على الإجراءات الجزائية أن يباشر القضاء بنفسه الاشراف على كل الإجراءات الماسة بالحرية الشخصية، وتقتضي شرعية الإجراءات الجزائية معاملة المتهمين بوصفهم أبرياء، وتتطلب هذه المعاملة احترام حريتهم الشخصية من خلال الضمانات التي أحيطت بها الإجراءات التي تتخذ قِبلهم، وتتمثل هذه الضمانات في بعض الشروط التي يتعين مباشرة الإجراءات وفقاً لها، ولكن هذه الضمانات تكون عديمة الفاعلية والأثر ما لم تتوافر سلطة قوية تكفل مراعاتها وتضمن في ذاتها احترام الحرية الشخصية ومن ناحية أخرى فإن ضمانات هذه الحرية تعد مظهراً من مظاهر مشروعية الإجراءات الجزائية، بحيث يترتب على الإخلال بها إسقاط المشروعية عن هذه الإجراءات ووصفها بعدم المشروعية، ويتعين توفير السلطة التي تراقب مدى توافر المشروعية الإجرائية، التي تتحدد ملامحها بناءً على قرينة البراءة. والواقع من الأمر أن قضية المشروعية الإجرائية لا تنفصل عن قضية المشروعية بوجه عام والتي تتعلق أيضاً باحترام الحريات العامة، ولذلك فإن البحث عن السلطة المختصة بحماية مبدأ المشروعية ينصرف إلى تحديد السلطة المختصة بحماية الحريات، وتتمثل هذه السلطة في القضاء الذي يعد الحارس الطبيعي للحريات.
وإشراف القضاء على صحة الإجراءات الجزائية، يعد من مهام القضاء التي تسهم في حراسة الحريات، وعدم المساس بالحريات الشخصية، ولحرمان أي شخص من حريته لا بد من وجود أمر قضائي بنص القانون، على أن يكون ذلك الحرمان بصفة مؤقتة، ولمدة محددة، مع وجود المبرر لهذا الحرمان، ولو كان الإجراء احتياطياً، ومهمة القضاء في هذه الحالة أصل من أصول الشرعية الإجرائية، لأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولا يجوز إدانته بجريمة إلا بوسائل الإثبات المعتبرة شرعاً ونظاماً أمام جهة قضائية مختصة، وبطريقة مؤكدة تسند الفعل إلى المتهم .
ويعد الضمان القضائي عنصراً رئيساً في الشرعية الإجرائية؛ فمن خلاله يمكن الاطمئنان إلى إحداث التوازن بين المصلحة العامة وحماية الحرية الشخصية وحقوق الإنسان الأخرى، وبه يكفل قانون الإجراءات الجزائية تحقيق هدفين هما: فاعلية العدالة الجنائية وحماية الحرية الشخصية وكذلك سائر حقوق الإنسان، وذلك بإجراء محاكمة منصفة تحترم فيها ضمانات الدفاع، وهنا يكون الضمان القضائي حامياً للحرية، كما أن في ذلك تأكيداً على وجود الحد الأدنى من الضمانات المتعلقة بالدفاع عن المتهم.
و الجدير بالذكر أن الرقابة على شرعية الإجراءات الجزائية تملكها جميع الجهات العدلية المعنية بتطبيقها، فكل جهة مطالبة باحترام قاعدة الشرعية الإجرائية؛ بمعنى أن تلتزم كل جهة بألا تباشر إجراء ليس له سند من القانون فإذا كان له سند، فيجب ألا يتعارض مع قاعدة قانونية أعلى منه.
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
