شركة تضامن للمحاماة

الدليل الجنائي

يمثل الدليل الجنائي الحجية التي تُستخلص من واقعةٍ، أو ظاهرة مادية، أو معنوية متعلقة بالجريمة، بحيث يولّد ظهورها الاقتناع الكافي بوقوع الجريمة، أو واقعة من وقائعها، وإسنادها إلى المتهم أو نفي ذلك، سواءً كان بطريق مباشر، أو غير مباشر. والدليل بالمعنى السابق قد يكون أثراً مادياً؛ عُثر عليه بمسرح الجريمة، وقد يكون شهادة شاهد، أو تقريراً فنياً لخبير، ويبلور الدليل الحالة القانونية المثبتة لارتكاب الجريمة، أو تحديد شخصية مرتكبها، أو إثبات التهمة عليه، أو نفي ذلك كله. وسيتم التطرق إلى بعض تفاصيل الدليل الجنائي وذلك على النحو الآتي:

أولاً- الفرق بين الدليل وبين إجراءات الحصول عليه

يشمل الدليل كل واقعة مادية، أو معنوية، تؤدي إلى إثبات وقوع الجريمة، أو تحديد شخصية مرتكبها، أو إثبات ارتكابه لها، سواءً تم ذلك مباشرة، أو عن طريق غير مباشر، وهو الوسيلة التي يستعين بها القاضي للوصول إلى الحقيقة، بالاعتماد على الدليل الذي يمثل أثراً منطبعاً في نفس أو في شيء، أو متجسم في شيء ينم عن ارتكاب جريمة وقعت في الماضي، أو تقع في الحاضر، وعلى شخص معين تنتمي هذه الجريمة إلى سلوكه . وإجراءات الحصول على الدليل لا تعد أدلة، وإنما هي المصدر الذي يتم عن طريقه الحصول على الدليل، مثل المعاينة والتفتيش والخبرة والاستجواب، وما إلى ذلك من إجراءات، وهي بالمعنى القانوني لا تعد أدلة، ولكنها قد تسفر عن أدلة تسهم في الإثبات، وتتفق مع الأدلة في عدم تحديدها على سبيل الحصر، ولكنها تخضع للضوابط القانونية المنظمة لكيفية تطبيقها، وحدود سلطات القائمين على تنفيذها.

ثانياً – الدليل والدلائل والقرائن

يقطع الدليل الجنائي وما ينجم عنه من استنتاجات بثبوت الواقعة ونسبتها إلى المتهم، وهو – كما تم ذكره سابقاً – يساعد القاضي في تحديد الحقيقة على وجه الجزم واليقين، ويستعين به للوصول إلى اليقين القضائي الذي يقيم عليه حكمه في ثبوت الاتهام المعروض عليه، أما الدلائل فلا ترتقي إلى مستوى الدليل؛ لأن الاستنتاج المبني عليها لا يصل إلى حد الجزم واليقين، وإنما يبنى على الاحتمالات ووجود أكثر من تفسير للواقعة، وبذلك لا يمكن الاستناد إليها وحدها في الإثبات، وإنما يمكن الاستفادة منها في توجيه الاتهام، واتخاذ بعض إجراءات التحقيق الابتدائي مثل القبض والتفتيش، كما أنها تحتاج إلى أدلة أخرى تساندها.

أما القرائن فإنها لا تنصب دلالتها على الواقعة المراد إثباتها، وإنما على واقعة أخرى تسبقها، أو تنتجها بمحض اللزوم العقلي، من خلال استنباط القاضي لأمر مجهول من أمر معلوم، وهي دليل غير مباشر؛ لأنها لا تؤدي إلى ما يراد إثباته مباشرة، بل تؤدي إليه بالواسطة أو الأمر المعلوم، وقد تكون قرائن قانونية من عمل القانون ولذا سميت قانونية، وقد تكون قرائن قضائية، وهي القرائن التي يستنتجها القاضي باجتهاده وذكائه في موضوع الدعوى وظروفها، ولذا سميت أيضا بالقرائن الموضوعية، وأهم ما يميز القرينة ويعطيها الصلاحية لأن تكون لها قوة في الإثبات كدليل؛ هي أن تكون الصلة بين الواقعة المعلومة الثابتة يقيناً، وبين الواقعة المجهولة صلة يقينية؛ بمعنى أن الواقعة المعلومة متى ثبتت فإنها تنتج حتماً وبطريق اللزوم العقلي الواقعة المجهولة وهي الجريمة، وبهذه الصلة اليقينية وحدها يمكن قبول القرينة كدليل إثبات غير مباشر على الجريمة؛ لأن ثبوت الجريمة في القانون الجنائي يجب أن يكون ثبوتاً يقينياً وليس ترجيحياً . والإثبات بالقرائن ينطوي على أربعة عناصر هي: الواقعة الأصلية، وثانيها المؤشرات والعلامات والأمارات التي تنبعث من تلك الواقعة؛ وثالثها النشاط الذهني بإعمال الاستنباط والاستنتاج عن طريق الربط بين الوقائع؛ ورابع هذه العناصر الاستدلال بنتائج ومحصلة تلك العملية بوضع كل منها في موضعه المناسب طبقاً لما تحمله من دلالات.

ثالثاً- تقسيم الأدلة من حيث مصدرها

-الأدلة القولية

هي الأدلة المتمثلة في الأقوال التي تصدر عن الأشخاص وتؤثر في قناعة القاضي من خلال تقديره لقيمة وصحة هذه الأقوال، التي تعد أدلة معنوية يتوقف اقتناع القاضي فيها على على صدق الغير فيما يصدر عنه من أقوال، وتنحصر هذه الأدلة في المجال الجنائي بالشهادة والاعتراف.

-الأدلة المادية

هو الأدلة التي تعبر عن حقيقة واقعة مادية تؤثر في اقتناع القاضي، وتكوين عقيدته بشكل مباشر، وفي الغالب يكون مصدر هذه الأدلة عن طريق المعاينة والتفتيش، وضبط الأشياء.

-الأدلة العلمية أو الفنية

تتمثل هذه الأدلة في التقدير العلمي أو الفني لواقعة معينة وهي نوع من الأدلة المادية يحتاج في استخلاصه إلى عِلم متخصص، بحيث يخضع للفحص الفني حتى ينتج آثاره في الإثبات، وينتج غالباً من رأي خبير فني حيال وقائع معينة، ومن خلال هذا الرأي يصل القاضي إلى تكوين عقيدته حول هذه الأدلة، وتجدر الإشارة إلى أن أعمال الخبرة، أو نتائج استخدام الوسائل العلمية في أغلب حالاتها ليست دليلاً مستقلاً في ذاته، وإنما هي قرائن يتم دراستها واستخلاص دلالتها؛ ولذلك فهي ليست مستقلة عن القرائن . والأخذ بالأدلة العلمية، أو الفنية مرحلة جديدة من مراحل تطور العملية الإثباتية، تتميز في خصائصها عما سبق من مراحل، بحيث تعتمد على البحوث العلمية وما تسفر عنه من نتائج، والاستعانة بالأساليب الفنية التي كشف عنها العلم الحديث في إثبات الجريمة، ونسبتها إلى المتهم.

وهذا يؤدي إلى ضرورة التسليم بنشأة نظام إثبات متأثر بالعصر وحضارته التي تقوم على العلم ومعطياته، ولاشك في أن الإثبات العلمي الذي يستند إلى معطيات العلم الحديث، وبالتالي الإثبات بالدليل المادي القائم على هذه الأسس والنظريات العلمية له طبيعة خاصة؛ لأنه يرتبط بشكل وثيق بالتطور العلمي الذي يتميز في هذا العصر بالإيقاع السريع؛ الأمر الذي يترتب عليه وجود فجوة دائمة قابلة للاتساع بين موضوع الإثبات الجنائي في الطبيعة القانونية والاجتماعية، وبين ما ينتجه العلم من أجهزة ومعدات تمثل خطورة على خصوصيات الإنسان وحرياته.

الدكتور/ ناصر بن محد البقمي

أستاذ العلوم القانونية المشارك

0554331183
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *