شركة تضامن للمحاماة

الشرعية الإجرائية في المجال الجنائي

يتفق قانون العقوبات مع قانون الإجراءات الجزائية في خضوعهما لمبدأ الشرعية الجنائية، حيث تعد الشرعية الإجرائية مجرد حلقة من حلقات الشرعية الجنائية التي يخضع لها النظام الجنائي، فهذا القانون يتتبع بالخطى الواقعة الإجرامية منذ تجريمها والمعاقبة على ارتكابها؛ إلى ملاحقة المتهم بالإجراءات اللازمة لتقرير مدى سلطة الدولة في معاقبته، إلى تنفيذ العقوبة المحكوم بها عليه، وفي كافة هذه المراحل يضع القانون الجنائي النصوص التي تمس حرية الإنسان، سواءً عن طريق التجريم والعقاب، أو عن طريق الإجراءات التي تباشر ضده، أو بواسطة تنفيذ العقوبة عليه.

وعندما تعرض قضية الحرية على بساط البحث، يبرز مبدأ الشرعية ليحدد النطاق المسموح به عند معالجة حرية الإنسان في هذه الأحوال، وقد ظهرت الحلقة الأولى من الشرعية الجنائية تحت اسم (لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على بنص) لكي تحمي الإنسان من خطر التجريم والعقاب بغير الأداة التنظيمية (التشريعية) المتمثلة في القانون ولكي تجعله في مأمن من رجعية القانون الجنائي، وبعيداً عن خطر القياس في التجريم والعقاب. على أن هذه الحلقة الأولى وحدها لا تكفي لحماية حرية الإنسان إذا أمكن القبض عليه أو حبسه أو اتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاكمته مع افتراض إدانته، فكل إجراء يتخذ ضد الإنسان دون افتراض براءته سوف يؤدي إلى تجشيمه عبء إثبات براءته من الجريمة المنسوبة إليه، فإذا عجز عن إثبات هذه البراءة اعتبر مسؤولاً عن جريمة لم تصدر عنه، ويؤدي هذا الوضع إلى قصور الحماية التي يكفلها مبدأ (لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص)، طالما كان من الممكن المساس بحرية المتهم عن طريق القانون أو كان من الممكن إسناد الجرائم للناس ولو لم يثبت ارتكابهم لها عن طريق افتراض إدانتهم؛ لذلك كان لا بد من استكمال الحلقة الأولى للشرعية الجنائية بحلقة ثانية تحكم تنظيم الإجراءات التي تتخذ قِبل المتهم على نحو يضمن احترام الحرية الشخصية، وتسمى هذه الحلقة الثانية بالشرعية الإجرائية.

ويعني ذلك أنه لا عقوبة دون حكم قضائي صادر عن محكمة مختصة وفقاً للشرع أو النظام أو القانون، ومن البديهي أنه لا يتصور أن يصدر أي حكم قضائي دون أن تسبقه دعوى يتخاصم فيها فريقان، ويقدم كل منهما بينته للمحكمة المختصة؛ حتى يتسنى لها إصدار حكمها، فصلاً في الخصومة وتحقيقاً للعدالة، وكل ذلك وفق إجراءات محددة ومبينة في النظام الإجرائي الذي ينطوي على مجموعة من القواعد الشكلية الواجب مراعاتها، لما فيها من مساس بحريات الأفراد، وهذه القواعد الإجرائية ما هي إلا مجموعة من القيود التي يفرضها ( المنظم) على السلطة، ويرسم لها بمقتضاها الحدود التي يجوز لها أن تتجاوزها حفاظاً على حقوق الفرد، وصوناً لها من أي تعسف قد يلحق بها من جراء اتخاذ إجراءات ماسة بهذه الحقوق كالقبض والتفتيش والتوقيف، فالدعوى تخضع لهذه الإجراءات باعتبارها وسيلة إجرائية للقاضي لتطبيق أحكام القانون في الحالة الواقعية، وهي على هذا الشكل شرط لمباشرة القضاء الجزائي، فالدولة لكي تقتضي حقها في العقاب ليس لها سبيل إلا سلوك طريق الدعوى التي ينظمها نظام الإجراءات الجزائية.

وبناءً على ما سبق “يرى البعض أنه في مقابل ما أنتجته الشرعية الجنائية في المجال العقابي من مبدأ أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فإن الشرعية الإجرائية قد أنتجت مبدأين متصلين اتصالاً وثيقاً، وهو أن لا حكم بغير دعوى، ولا عقوبة بغير حكم”، ولذا يعد مبدأ الشرعية الإجرائية أصلاً أساسياً في أصول المحاكمات الجنائية لا يجوز الخروج عنه، ولا يقل أهمية عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي هو أصل في النظام العقابي، بل إن هذا الأخير يصبح بلا قيمة إن لم يستكمل بمبدأ الشرعية الإجرائية الذي ينظم الإجراءات التي تتخذ بحق المتهم على نحو يكفل احترام الحرية الشخصية.

ومبدأ الشرعية الإجرائية يجعل من الحكم القضائي النهائي سبيلاً وحيداً لتطبيق الجزاء الجنائي، وهو ما يطلق عليه (قضائية الجزاء الجنائي)، لكن هذا المعنى لا يغطي وحده مضمون الشرعية الإجرائية لأن هذه الشرعية تمتد لتشمل سائر ميادين ومجالات الإجراءات الجزائية في استلزام أن يكون الحكم القضائي مستنداً إلى نصوص نظاميه، فلا يمكن لجهاز من أجهزة الدولة أن يتصدى للقضاء في المواد الجنائية، إلا إذا كانت له ولاية القضاء، كما لا يمكن أن يحاكم المتهم أو يدان إلا بعد دعوى تحترم القواعد الإجرائية أو الشكلية كافة، وهذا المبدأ يجد سنده بالنص الدستوري الذي ينص على حرمة الحرية الشخصية، ويجعل النظام الأداة التنظيمية (التشريعية )الوحيدة التي يجوز فيها تنظيم الإجراءات الجزائية، بسبب مساس هذه الإجراءات بالحريات الشخصية.

وبذلك تكون الشرعية الإجرائية امتداد للشرعية الجنائية؛ فإذا كانت الشرعية الجنائية هدفها حماية الحرية الفردية من شطط الإدارة أو عسف القاضي، فإن هذا الضمان الموضوعي لابد له من ضمان إجرائي؛ وهو ما يعبر عنه بالشرعية الإجرائية، التي هي بمثابة الإطار الخارجي الذي لا يمكن بغيره الوصول إلى تطبيق القاعدة الموضوعية تطبيقاً صحيحاً. ويتضح مما تقدم أن مبدأ الشرعية الإجرائية هو الحلقة الثانية من حلقات الشرعية الجنائية، الذي يقوم على أركان ثلاثة هي: الأصل في المتهم البراءة، ومصدر الإجراءات الجزائية المتمثل في النظام أو القانون، والإشراف القضائي على الإجراءات الجزائية.

المحامي الدكتور
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *