الركن المادي عبارة عن مجموعة من العناصر المادية، التي تتخذ مظهراً خارجياً تلمسه الحواس؛ إذ لا بد من نشاط مادي يتحقق به الاعتداء على المصالح المحمية جنائياً؛ ولا جريمة دون ركن مادي وهذا مبدأ لا يرد عليه استثناء، ويمثل الركن المادي النشاط الذي يصدر عن الجاني ليتدخل من أجله النظام بتقرير العقاب، وهو يختلف بالضرورة باختلاف الجرائم، ولكنه في الجملة يجب أن يكون له مظهراً خارجياً يبدو في صور متباينة، فقد يكون عملاً مادياً يرتكب، أو قولاً يبدى، أو كتابة تنشر، أو رسماً يعرض، وما إلى ذلك من صور النشاط، والركن المادي هو الواقعة بالمعنى الضيق؛ أي الظواهر الخارجية المادية التي يعاقب عليها النظام لمخالفتها أحكامه. ويتكون الركن المادي لجريمة غسل الأموال من الفعل الذي يتضح من السلوك المكون للركن المادي والمحل الذي يرد عليه السلوك ومن ثم النتيجة وعلاقة السببية وذلك على النحو الآتي:
السلوك المكون للركن المادي
يأخذ المنظم السعودي بالاتجاه الموسع الذي يبسط مجال تجريمه على عمليات غسل الأموال المتحصلة عن أي نشاط إجرامي أو مصدر غير مشروع أو غير نظامي، دون حصر أو تعداد، وقد حدد المنظم السعودي الصور الجرمية التي يتكون منها الركن المادي، وتدخل في البنيان القانوني لجريمة غسل الأموال، وذلك من خلال المادة الثانية من نظام غسل الأموال التي نصت على أنه :” يعد مرتكباً جريمة غسل الأموال كل من قام بأي من الأفعال الآتية: تحويل أموال أو نقلها أو إجراء أي عملية بها، مع علمه بأنها من متحصّلات جريمة؛ لأجل إخفاء المصدر غير المشروع لتلك الأموال أو تمويهه، أو لأجل مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية التي تحصّلت منها تلك الأموال للإفلات من عواقب ارتكابها. و اكتساب أموال أو حيازتها أو استخدامها، مع علمه بأنها من متحصلات جريمة أو مصدر غير مشروع. و إخفاء أو تمويه طبيعة أموال، أو مصدرها أو حركتها أو ملكيتها أو مكانها أو طريقة التصرف بها أو الحقوق المرتبطة بها، مع علمه بأنها من متحصلات جريمة. وكذلك الشروع في ارتكاب أي من الأفعال المنصوص عليها في الفقرات (1) و(2) و(3) من هذه المادة، أو الاشتراك في ارتكابها بطريق الاتفاق أو تأمين المساعدة أو التحريض أو تقديم المشورة أو التوجيه أو النصح أو التسهيل أو التواطؤ أو التستر أو التآمر.”
المحل الذي يرد عليه السلوك
يتمثل العنصر الثاني من عناصر الركن المادي في المحل الذي يرد عليه السلوك الإجرامي، والذي يكون في الغالب في صور أموال أو متحصلات أو عائدات ذات مصدر غير مشروع، أو غير نظامي، والمستمدة بطريق مباشر أو غير مباشر من ارتكاب جريمة تحددها الاتفاقيات الدولية أو التشريعات الوطنية، ويقصد بالأموال: لأصول أو الموارد الاقتصادية أو الممتلكات أيًّا كانت قيمتها أو نوعها أو طريقة امتلاكها -سواء أكانت مادية أم غير مادية منقولة أم غير منقولة ملموسة أم غير ملموسة-والوثائق والصكوك والمستندات والحوالات وخطابات الاعتماد أيًّا كان شكلها؛ سواء أكانت داخل المملكة أم خارجها. ويشمل ذلك النظم الإلكترونية أو الرقمية، والائتمانات المصرفية التي تدل على ملكية أو مصلحة فيها، وكذلك جميع أنواع الأوراق التجارية والمالية، أو أية فوائد أو أرباح أو مداخيل أخرى تنتج من هذه الأموال ويقصد بالمتحصلات: الأموال الناشئة أو المتحصلة -داخل المملكة أو خارجها- بشكل مباشر أو غير مباشر من ارتكاب جريمة أصلية، بما في ذلك الأموال التي حولت أو بدلت كلياً أو جزئياً إلى أموال مماثلة.
النتيجة وعلاقة السببية
النتيجة الإجرامية هي الأثر الذي يترتب على السلوك الإجرامي، وهي العدوان الذي ينال المصلحة أو الحق الذي يقرر له النظام حماية جنائية، ولها مفهوم مادي يتمثل في التغيير الذي يحدث في العالم الخارجي كأثر للسلوك الإجرامي، كما أن لها مفهوم نظامي يتمثل في الاعتداء على المصلحة التي يحميها النظام، سواءً أدى هذا الاعتداء إلى الإضرار بالمصلحة المعتدى عليها أو تهديدها بالخطر، وتحتل النتيجة في نظام العقوبات أهمية محدودة بالقياس إلى السلوك الإجرامي، ذلك أن كثيراً من الجرائم، يعاقب عليها بصرف النظر عن حدوث النتيجة (نظرية الشروع).
وتنتمي علاقة السببية إلى الركن المادي، وهي ضرورية لقيام المسؤولية الجنائية، ويقصد بها: أن يكون السلوك الإجرامي هو السبب في تحقق النتيجة الإجرامية، وأن تكون هذه الأخيرة قد تحققت بسلوك الجاني، بحيث لولاه لما حدثت هذه النتيجة، وفي عبارة أخرى، أن يكون وقوع الجرم متصلاً بحصول الخطأ أو السلوك من المتهم ـ اتصال السبب بالمتسبب ـ وتعد هذه العلاقة الصلة بين الفعل والنتيجة.
