المسؤولية العقدية: وهي التي تنشأ نتيجة الإخلال بالتزام تعاقدي سابق، وهي: التي تترتب على الإخلال بالتزام مترتب عن عقد صحيح، فمثلاً في عقد البيع المنجز إذا لم يقم المشتري بدفع الثمن على الرغم من استلامه المبيع يعد مسؤولاً عن الأضرار التي تلحق بالبائع نتيجة ذلك.
أولاً- شروط تحقق المسؤولية العقدية
وجود عقد صحيح بين الدائن والمدين
بحيث يرتبط الدائن والمدين بهذا العقد، فإذا انتفى العقد، أو كان باطلاً أو قابلاً للإبطال وتقرر إبطاله، فلا تقوم المسؤولية العقدية. وكذلك لا تتحقق المسؤولية العقدية إذا وقع خطأ بعد انتهاء العقد، ويشترط لقيام المسؤولية العقدية قيام العقد وبقاؤه وحدوث الإخلال به أثناء سريانه.
أن ينشأ الضرر مباشرة عن عدم تنفيذ الالتزام العقدي، أو عن الإخلال به
فإذا كان هناك عقد صحيح بين شخصين ونشأ ضرر لأحدهما بسبب قيام العقد، ولكن لا بسبب عدم تنفيذ التزام من التزامات العقد أو الإخلال به فلا تكون المسؤولية عقدية بل تكون تقصيرية.
أن يكون من أصابه الضرر أحد المتعاقدين أو خلفاً عاماً له
أما إذا أثيرت المسؤولية من شخص أجنبي عن العقد، فلا تعد هذه المسؤولية ـ من حيث المبدأ ـ عقدية. ويعد الخلف العام والخلف الخاص للمتعاقد وكذلك المنتفع من العقد بمنزلة طرف في العقد. فإذا أثار أحد منهم مسؤولية المتعاقد الآخر؛ فتكون هذه المسؤولية عقدية.
ثانياً- أركان المسؤولية العقدية
الركن الأول: الخطأ العقدي
يمثل الخطأ العقدي الركن الأول الذي ينبغي أن يتحقق لقيام مسؤولية الشخص العقدية وهو عدم تنفيذ التزام ناشئ من العقد، أو تنفيذه بشكل معيب، أو التأخر في تنفيذه. ويقوم الخطأ سواء أكان عدم التنفيذ عمداً أم ناجماً عن إهمال. ويستوي أن يكون عدم التنفيذ مرده إلى الفعل الشخصي للمدين أو كان مرده إلى فعل شخص تابع له.
وإثبات الخطأ العقدي يتوقف على تحديد طبيعة التزام المدين. في الواقع، وتنقسم الالتزامات ـ عموماًـ من حيث هدفها إلى نوعين:
النوع الأول: التزام بتحقيق غاية أو التزام بالسلامة، وفي هذا الالتزام يجب على المدين تحقيق نتيجة مرجوة من العقد، فالمقاول يجب عليه إكمال البناء، وتسليمه إلى رب العمل، والبائع يجب عليه تسليم المبيع إلى المشتري مقابل التزام الأخير بدفع الثمن، وكالتزام شركة النقل تجاه المسافرين.
النوع الثاني: التزام ببذل عناية، وفي هذا الالتزام لا يفرض فيه على المدين الوصول إلى نتيجة مرجوة، وإنما عليه فقط بذل العناية للوصول إليها، فإن بذلها يكون قد وفى بالتزامه ولا تقوم مسؤوليته العقدية، والعناية المطلوبة من المدين في هذا الالتزام هي عناية الرجل المعتاد كالتزام المحامي بالدفاع عن مصالح موكله، وكذلك التزام الطبيب بمعالجة مريضه.
ويكون تنفيذ الالتزام بغاية بتحقيق تلك الغاية، فإذا لم تتحقق كان الملتزم واقعاً في خطأ عدم التنفيذ. أما في الالتزام ببذل عناية، فيعد الملتزم أنه قد نفذ التزامه متى بذل في سبيل ذلك العناية التي يبذلها الرجل المعتاد، سواء تحققت النتيجة المرجوة أم لم تتحقق، ما لم ينصّ القانون أو الاتفاق على خلاف ذلك. ويترتب على ذلك أن إثبات عدم التنفيذ في الالتزام بتحقيق غاية يتم بمجرد إثبات عدم تحقق الغاية، ومثال ذلك إذا أصيب المسافر في أثناء السفر بضرر يعد الناقل مسؤولاً؛ وذلك لأن الغاية من التزامه لم تتحقق؛ وهي وصول المسافر بالسلامة. وأما في الالتزام ببذل عناية، فعلى الدائن أن يثبت أن المدين لم يبذل القدر الواجب من العناية، وبمعنى آخر أن يثبت الخطأ في جانب المدين، وللمدين الحق في أن يدفع المسؤولية عن نفسه بإثبات أن عدم التنفيذ يرجع إلى سبب أجنبي، كالقوة القاهرة.
والإخلال بالعقد الذي تتحقق به المسؤولية العقدية، قد يتناول موجباً رئيسياً يؤلف محور العقد، أو موجباً فرعياً ينطوي عليه العقد كنتيجة لازمة له بحكم الأعراف أو الأحكام القانونية أو مبادئ الإنصاف . وفي هذا الإطار يبرز موجب كفالة السلامة فالناقل يلتزم أصلاً بنقل من ارتبط به عقدياً، ويلتزم أيضاً بموجب إضافي هو تأمين وصول المنقول سالماً إلى الوجهة التي قصدها . فإن حصل له أثناء النقل ضرر جسدي فإن المسؤولية العقدية تترتب على الناقل، فيكون الموجب الإضافي متمثلاً بالتزام تحقيق غاية . مثل حرص المدين على تنفيذ العقد دون أن يلحق ضرراً بشخص الدائن، فرب العمل ملزم في عقد العمل بسلامة العمال ضد مخاطر العمل، والناقل ملتزم بالمحافظة على سلامة الركاب، والبائع يلتزم بسلامة المبيع، ومن هذه الالتزامات أيضاً التزام المدين بإعطاء المعلومات الضرورية المتعلقة بموضوع العقد، فعلى البائع أن يعطي المعلومات الضرورية لاستخدام المبيع من قبل المشتري.
الركن الثاني: الضرر
وهو ما يصيب الدائن من أذى نتيجة لإخلال المدين بالتزامه العقدي، ولكي تقوم مسؤولية الشخص العقدية، فإنه لا يكفي عدم تنفيذه لالتزامه المترتب على العقد، ولكن ينبغي إضافة إلى ذلك؛ أن يؤدي ذلك إلى ضرر بالدائن ناجم عن عدم تنفيذ المدين للالتزام، فمن يبيع سيارته لآخر ولم يسلمها له في الوقت المتفق عليه بل بعده فهذا خطأ منه لكن مسؤولية البائع هنا لا تتحقق بالخطأ الذي حدث وحده، ولكن ينبغي أن يكون هناك ضرر ترتب على ذلك.
ويقع عبء إثبات الضرر من حيث المبدأـ على عاتق الدائن. ولكن إذا كان التعويض اتفاقياً (وهي حالة الشرط الجزائي)، فبمجرد وقوع الخطأ، يعد الضرر مفترضاً. وعلى المدين في مثل هذه الحال أن يثبت أنه لم يلحق بالدائن ضرراً. وكذلك الحال إذا كان الضرر ناتجاً من التأخر في أداء مبلغ من النقود، حيث يكون الضرر هنا أيضاً مفترضاً، ولكنه لا يقبل إثبات العكس، ومن ثم يستحق الدائن التعويض ـ وهو فائدة النقود ـ دون أن يكلف إثبات الضرر. والضرر إما أن يكون مادياً؛ وهو ما فات الدائن من كسب وما لحقه من خسارة، أو أن يكون أدبياً؛ وهو ما يؤذي الشخص في نواح معنوية كالعاطفة والكرامة والشرف. ويشترط في الضرر أن يكون محققاً أي أكيداً ومباشراً ومتوقعاً وقت التعاقد. ولا يسأل المدين في المسؤولية العقدية عن الضرر غير المتوقع إلا إذا كان ناشئاً من غش أو من خطأ جسيم، ويرجع قصر التعويض في المسؤولية العقدية على الضرر المتوقع إلى مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، وأن الإرادة هي التي تحدد التزامات الطرفين.
الركن الثالث: العلاقة السببية بين الخطأ والضرر
يجب أن تتوافر علاقة السببية بين الخطأ أو الإخلال العقدي والضرر الذي حدث، أي ينبغي أن يكون الضرر قد نتج عن ذلك الخطأ فإذا لم يتحقق ذلك وانتفت السببية بينهما، فلا تقوم مسؤولية المدين، ومعنى ذلك أنه يجب أن يكون الخطأ العقدي الذي ارتكبه المدين هو السبب في إلحاق الضرر بالدائن.
ويجب على الدائن إثبات هذه العلاقة. إلا أنه متى أثبت الدائن الخطأ والضرر؛ تعد علاقة السببية بينهما مفترضة قانوناً. ولكن هذا الافتراض يقبل إثبات العكس، ومن ثم يمكن للمدين أن يثبت أن الضرر لم ينشأ من خطئه. وإنما نشأ من سبب أجنبي كالآفة السماوية، أو الحادث الفجائي، أو القوة القاهرة، أو فعل الغير، أو فعل المتضرر، ويترتب على ذلك دفع المسؤولية
