شركة تضامن للمحاماة

مسرح الجريمة المعلوماتية

التعامل مع مسرح الجريمة المعلوماتية

مع التسليم بأهمية المعاينة في مجال الإجراءات الجنائية باعتبارها من إجراءات التحقيق المهمة في جميع الجرائم إلا أنها في جرائم المعلوماتية لا ترقى إلى نفس الأهمية في الجرائم التقليدية، وذلك لعدة اعتبارات من أهمها: أن الجرائم المعلوماتية قلما يتخلف عن ارتكابها آثاراً مادية، كم أن عدداً كبيراً من الأشخاص قد يتردد على المكان أو مسرح الجريمة خلال الفترة الزمنية الطويلة نسبياً والتي تتوسط عادة بين زمن ارتكاب الجريمة وبين اكتشافها؛ مما يفسح المجال لحدوث تغيير، أو إتلاف، أو عبث بالآثار المادية، أو زوال بعضها، وهو ما يلقي ظلالاً من الشك على الدليل المستمد من المعاينة. ويضاف إلى ذلك إمكانية التلاعب في البيانات عن بعد أو محوها عن طريق التدخل من خلال وحدة طرفية من قبل الجاني.

– الخطوات الواجب إتباعها قبل الانتقال إلى معاينة مسرح الجريمة المعلوماتية

يجب على المحقق الجنائي قبل الانتقال لإجراء معاينة لمسرح الجريمة المعلوماتية توفير معلومات مسبقة عن مكان الجريمة، والحصول على الاحتياجات الضرورية من الأجهزة والبرامج للاستعانة بها في الفحص والتشغيل، وكذلك قطع التيار الكهربائي عن موقع المعاينة، وإعداد فريق تفتيش من المتخصصين والفنيين، مع ضرورة إعداد الأمر القضائي اللازم للقيام بالتفتيش.

-شروط صحة معاينة مسرح الجريمة المعلوماتية

من الأهمية بمكان الالتزام بشروط صحة معاينة مسرح الجريمة من خلال سرعة الانتقال إلى مكان وقوع الجريمة المعلوماتية، والسيطرة على مكان وقوع الجريمة والمعاينة الصحيحة عن طريق الدقة والترتيب والتسلسل في المعاينة حسب طبيعة الوسط المعلوماتي، وبعد الانتهاء من المعاينة التحفظ على مسرح الجريمة المعلوماتية وتدوين جميع ما تم أثناء المعاينة.

-الخطوات الصحيحة لمعاينة مسرح الجريمة المعلوماتية

لنجاح معاينة مسرح الجريمة المعلوماتية يلزم إتباع بعض الإجراءات أهمها: تصوير الكمبيوتر وما قد يتصل به من أجهزة بدقة تامة وسائر ملحقاته، والأجهزة الطرفية المتصلة به، والمحتويات، والأوضاع العامة بمكانه، وكذلك العناية البالغة بملاحظة الطريقة التي تم بها إعداد النظام، والآثار الالكترونية وبوجه خاص السجلات الالكترونية التي تتزود بها شبكات المعلومات، وملاحظة واثبات حالة التوصيلات والكابلات المتصلة بكل مكونات النظام، وعدم نقل أي معلومات من مسرح الجريمة قبل إجراء اختباراً للتأكد من خلو المحيط الخارجي لموقع الكمبيوتر من أي مجالات لقوى مغناطيسية يمكن أن تتسبب في محو أو إتلاف البيانات المسجلة، والتحفظ على محتويات سلة المهملات من الأوراق الملقاة أو الممزقة، وأوراق الكربون المستعملة، والشرائط والأقراص الممغنطة، وغير السليمة أو المحطمة، وفحصها ورفع البصمات التي قد تكون لها صلة بالجريمة المرتكبة، إضافة إلى التحفظ على مستندات الإدخال، والمخرجات الورقية للحاسب ذات الصلة بالجريمة؛ لرفع ومضاهاة ما قد يوجد عليه من بصمات، وكذلك وضع مخطط تفصيلي للمنشأة التي وقعت بها الجريمة مع كشف تفضيلي بالمسئولين بها ودور كل واحد منهم، مع أهمية فصل الكهرباء عن موقع المعاينة لشل فاعلية الجاني في القيام بأي فعل من شانه التأثير على آثار الجريمة، كما يجب إبعاد الموظفين عن أجهزة الحاسب الآلي وكذلك عن الأماكن الأخرى التي توجد بها الأجهزة المساعدة، وقصر مباشرة المعاينة على فئة معينة من الباحثين والمحققين الذين تتوافر لديهم الكفاءة العلمية والخبرة الفنية في مجال الكمبيوتر والشبكات ونظم المعلومات.

– اختلاف قواعد تحريز الأدلة الرقمية المتحصلة من مسرح الجريمة عنها في الأدلة الأخرى

القصد من التحريز هو المحافظة على حماية الأشياء من التلف أو العبث أو التغيير، وإذا لم يكن المحقق مؤهلاً ومدرباً على التعامل مع الأدلة الرقمية، ومدركاً لطبيعة النظام المعلوماتي فقد يغفل أو يهمل دليلاً الكترونياً، أو قد يتسبب في اتلافه وإفساد دلالته، لذا كان تامين ضبط تلك الأدلة امرأ بالغ الأهمية، وحيال ذلك يمكن اتخاذ بعض الإجراءات الخاصة بالحفاظ على الأدلة الرقمية وصيانتها من العبث أبرزها:

ضبط وتحريز الدعائم الأصلية للبيانات وعدم الاكتفاء بضبط النسخ فالدعائم الأصلية هامة جدا عند عرض الأدلة على المحكمة، ومراعاة ظروف الحرارة والرطوبة المناسبتين لتخزين الإحراز المعلوماتية، والتزام القواعد الفنية المتعلقة بنقل الإحراز المعلوماتية، كالتحوط من المرور بها أو تخزينها على مقربة من محطة إرسال لاسلكي، وعدم وضعها في أماكن متربة أو قاعدة نافذة؛ لتأثير الأتربة والغبار عليها، مع أهمية تامين البرامج المضبوطة قبل تشغيلها فنياً وعمل نسخ احتياطية منها سليمة وكاملة، وتمييز كل دليل الكتروني عن غيرة بوضع علامة مادية خاصة به من قبل كل من كانت في حيازته.

– الحاجة إلى خبراء وفنيين على درجة عالية من المهارة عند مباشرة جريمة معلوماتية

تبدو الحاجة إلى خبراء وفنيين عند وقوع الجريمة المعلوماتية أكثر منها في الجرائم التقليدية، وهناك بعض المسائل التي يتعين تضمينها في مهمة الخبير المعلوماتي وهي: تركيب الحاسب لآلي، وموديله، ونظام تشغيله، والأنظمة الفرعية التي يستخدمها، وتحديد بيئة الحاسب الآلي أو الشبكة من حيث طبيعتها، وتركيزها أو توزيعها، وكذلك نمط ووسائل الاتصالات، والمكان المحتمل لأدلة الإثبات وشكلها وهيئتها، والآثار الاقتصادية والمالية المترتبة على التحقيق في الجريمة المعلوماتية، وكيفية عزل النظام المعلوماتي، دون اتلاف الأدلة أو الأجهزة أو تدميرها، مع تحديد إمكانية نقل أدلة الإثبات إلى أوعية أخرى دون تلف وكذلك نقلها إلى أوعية مادية كالأوراق، على أن تكون مطابقة لما هو مسجل في الحاسب الآلي أو النظام أو الشبكة، ويجب على خبير الحاسب استخدام الأدوات التي تساعده في تنفيذ مهامه.

– الحاجة إلى إعادة بناء مسرح الحادث الرقمي

غالباً ما يقوم مجرمو المعلوماتية بالعبث بالأدلة الرقمية، أو يتم إتلافهم من قبل رجال العدالة الجنائية أثناء الضبط أو الإحراز، وهذا ما يتطلب إعادة بناء الدليل الرقمي بالشكل الذي يفيد في كشف الجريمة، وتوجد ثلاثة أنواع من إعادة بناء الأدلة الرقمية، وهي الأدلة الرقمية التي تم العبث فيها أو محوها، والأدلة الرقمية الصحيحة، وهناك نوع ثالث يطلق عليه الأدلة الرقمية الهامشية، ويلاحظ أنه من الضروري لإعادة بناء الدليل الرقمي أن تتم الاستعانة بهذه الأنواع الثلاثة؛ فالأدلة الرقمية الصحيحة يتم من خلالها استخلاص المعلومات المتعلقة بالجريمة والمجرم من خلال البحث فيها، كما أن الأدلة الرقمية التي تم محوها أو العبث فيها، يتم إعادة بنائها باستخدام برامج خاصة معروفة لهذا الأمر، والأدلة الرقمية الهامشية وهي أدلة رقمية تلعب دوراً حاسماً في إعادة ترميم الأدلة الممحوة أو التي تم العبث فيها، كما أنها تكمل أوجه النقص في الأدلة الرقمية المستخلصة من الأدلة الرقمية الصحيحة عن علاقة المجرم بالجريمة المرتكبة.

وإعادة بناء الدليل الرقمي تعتمد على نوع الدليل الرقمي ونوع الكمبيوتر ونظام التشغيل وإعدادات الكمبيوتر، وبإصلاح الأدلة التالفة أو الممحوة؛ وربطها بالأدلة الرقمية الصحيحة، وسد ثغراتها بالأدلة الرقمية الهامشية، ويؤدي ذلك إلى ما يسمى بإعادة بناء مسرح الجريمة الرقمي، وذلك لبيان الأعمال المحيطة بالجريمة عبر الكمبيوتر، وزمن الجريمة ومكانها بشكل يمكن من خلاله تقديم أدلة رقمية صالحة للأخذ بها أمام أجهزة إنفاذ القانون.

الدكتور/ ناصر بن محد البقمي

أستاذ العلوم القانونية المشارك

0554331183
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *