الركن الشرعي للجريمة
لا سبيل إلى تحقيق فكرة الجريمة المستوجبة للعقاب، إلا بوجود نص جنائي يقرر أن فعلاً من الأفعال أو تصرفاً من التصرفات له صفة الجريمة، وذلك بأن يتم النص على هذا الفعل أو التصرف، مع إيضاح عناصره التي يمكن بها تمييزه، وأن يقرر له عقوبة موضحاً ماهيتها وحدودها بصفة عامة؛ ذلك هو مقتضى الركن الشرعي للجريمة، وهو في ذات الوقت مقتضى مبدأ الشرعية الجنائية ( شرعية الجرائم والعقوبات )، الذي يتطلب وجود النص المسبق، الذي يجب أن يكون نافذ المفعول وقت ارتكاب الفعل، سارياً على مكان وقوعه، وعلى شخص مرتكبه.
وللركن الشرعي أهميته الواضحة في بناء الجريمة؛ إذ لا وجود لها إن انتفى هذا الركن، ولا حاجة تبعاً لذلك إلى البحث في أركانها الأخرى، والصلة واضحة بينه وبين الركن المادي والمعنوي : فالركن الشرعي يحدد الماديات التي يسبغ عليها المنظم الصفة غير المشروعة، إذ من البديهي أن يحدد النظام الجنائي الموضوع الذي يتعلق به التكييف النظامي قبل أن يقرر ذلك التكييف، وهذه الماديات هي جوهر الركن المادي، أما الصلة بين الركن الشرعي والركن المعنوي؛ فتوضيحها أن جوهر الأخير علاقة بين شخصية الجاني وماديات الجريمة، وهذه العلاقة محل للوم النظام ، وأساس هذا اللوم أن لهذه الماديات صفة غير مشروعة، فكان ينبغي ألا تكون لشخصية الجاني علاقة بها، فإن قامت هذه العلاقة كانت محلاً للوم النظام، ويعني ذلك أن التحقق من توافر الركن الشرعي للجريمة يسبق حتماً القول بتوافر ركنها المعنوي. ويبنى على ما سبق أن اشتراط خضوع الفعل لنص تجريم كي تكون له الصفة غير المشروعة، يعني حصر مصادر التجريم والعقاب في النصوص الشرعية أو القانونية، وبهذا الحصر يقوم مبدأ أساسي، هو مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومقتضى هذا المبدأ أن الجريمة لا ينشئها إلا نص، وأن العقوبة لا يقررها غير نص؛ فلا عقوبة ولا جريمة إلا بناءً على نص، ولا يجوز تجريم فعل من الأفعال لم ينص على تجريمه صراحة في التشريع الجنائي.
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
