شركة تضامن للمحاماة

الركن المعنوي لجريمة غسل الأموال

للركن المعنوي أهمية أساسية في النظرية العامة للجريمة: فالأصل ألا جريمة بغير ركــن معنــوي؛ وهــذا الركــن هــو سبيــل المنظّــم إلــى تحديد المسؤولية عن الجريمة، إذ لا يسأل شخص عن جريمة ما لم تقم علاقة بين مادياتها ونفسيته؛ وهذا الركن في النهاية ضمان للعدالة وشرط لتحقيق العقوبة أغراضها الاجتماعية، ويعد القصد الجنائي أو العمد هو صورة الإرادة الآثمة اللازمة لتحقق العنصر المعنوي كأساس للمساءلة في الجرائم العمدية، ويمكن تعريفه بأنه: انصراف الإرادة نحو تحقيــق وضــع إجرامــي؛ مع العلم أو الإحاطة بحقيقته الواقعية وبماهيته الإجرامية؛ أي العلم بكل عناصره من حيث الواقع المادي الذي حدث، والعلم بأنه معاقب عليه؛ أي جريمة في حكم النظام، و القصد الجنائي هو: الإرادة المتجهة عن علم إلى إحداث نتيجة يجرمها النظام، ومفاد ذلك أن القصد يقوم على العلم والإرادة معاً، فالجاني لن يسأل مسؤولية عمديه ما لم يكن عالماً بعناصر الواقعة الإجرامية، وفوق ذلك فإنه من اللازم أن تتجه إرادته إلى إحداثها، ويجب لتوافر العمد أن تمتد الإرادة إلى أبعد من ذلك؛ فيجب أن يريد الجاني النتيجة التي يعاقب عليها النظام.

والعلم باعتباره أحد عنصري القصد الجنائي له أهمية متعلقة بالعنصر الثاني؛ أي بالإرادة، فللعلم أهمية كبيرة بالنسبة للإرادة، فلا يمكن تصور الإرادة دون علم يسبقها؛ فلا إرادة دون علم، فالإرادة باعتبارها نشاطاً مدركاً وواعياً فإن صاحب تلك الإرادة لا يستطيع توجيهها لارتكاب واقعة معينة إلا إذا كان قد علم بها، وتمثّل في ذهنه مدى إمكانية سيطرته على تلك الواقعة، وتوقع العلاقات التي يمكن أن تتوافر بين فعله المادي وبين إرادته، لأن القصد إرادة واعية، ولذلك فهو لا يكتمل إلا إذا تمثل الجاني في ذهنه الواقعة الإجرامية بكل عناصرها المعتبرة نظاماً.

وجريمة غسل الأموال من الجرائم العمدية التي تتطلب إضافة إلى ركنها المادي، توافر الركن المعنوي، لاكتمال البنيان النظامي لها، فالركن المعنوي يتخذ صورة القصد الجنائي، أو العمد، الذي يرتكز على إرادة النشاط الذي يتكون منه الركن المادي في أحدى صوره المذكورة في النظام، والعلم بالتجريم وعناصر الركن المادي.

ويتمثل القصد الجنائي في اشتراط العلم بالمصدر غير المشروع للعائدات أو المتحصلات عن الجريمة التي يتم حيازتها أو تحويلها أو إخفاؤها وتمويهها، كما يلزم انصراف إرادة الجاني إلى ارتكابها دون أن يشوب هذه الإرادة عارض من عوارض الوعي أو حرية الاختيار أو الأهلية، ولا يمكن تحقق القصد الجنائي إلا من خلال علم الجاني بطبيعة النشاط الذي يقترفه، وعلى وجه الخصوص علمه بالمصدر غير المشروع للأموال أو العائدات التي يقوم بتحويلها أو إخفائها أو حيازتها، وتوجه إرادته للقيام بغسل الأموال غير المشروعة. ولذلك لا يكفي لقيام هذه الجريمة مجرد توافر الإهمال أو الخطأ غير المقصود، بل ينبغي لمعاملة الفاعل جنائياً أن يتوافر لديه القصد الجنائي العام، الذي يرتكز على العلم بالمصدر غير المشروع وإرادة غسل الأموال، والقصد الخاص، الذي يرتكز على توجه نية الفاعل إلى إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو المتحصلات.

المحامي الدكتور
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *