المسؤولية التقصيرية تقوم على الالتزام بعدم جواز الإضرار بالغير، وأن من تسبب بخطئه أو فعله في إلحاق ضرر بشخص آخر يكون ملزمًا بالتعويض عن هذا الضرر، لذا تُعد المسؤولية التقصيرية من مصادر الالتزام التي تهدف إلى جبر الضرر والتعويض عنه. وقد نص نظام المعاملات السعودي على تحديد المسؤولية التقصيرية أسوة ببقية القوانين العالمية وذلك على النحو الآتي:
أولا: مسؤولية الشخص عن فعله : وهي ما يسمى بالمسؤولية عن الفعل الشخصي، والذي أكد على أن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، وهنا أوضح المنظم أركان المسؤولية التقصيرية وهي:( الخطأ -الضرر- العلاقة السببية) من خلال النص على أنه : ” إذا كان الفعل الضار من مباشر له؛ عُدَّ الضرر ناشئًا بسبب ذلك الفعل؛ ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك “كما أن المنظم لم يغفل تحمل المسؤولية من خلال التأكيد على أن: “يكون الشخص مسؤولًا عن الفعل الضار متى صدر منه وهو مميز”.
ولكن إذا وقع الضرر من غير المميز ولم يكن هناك من هو مسؤول عن الضرر أو تعذر الحصول على تعويضٍ من المسؤول، لزم غير المميز تعويضٌ مناسبٌ تقدره المحكمة. ولم يغفل المنظم التأكيد على الأخذ بأسباب الإباحة ومن أهمها الدفاع الشرعي أو دفع الصائل من خلال النص على أن:” من أحدث ضررًا وهو في حالة دفاع مشروع عن نفس أو عرض أو مال؛ كان غير مسؤول، على ألا يجاوز دفاعه القدر الضروري لدفع الاعتداء، وإلا كان ملزمًا بالتعويض بالقدر الذي تراه المحكمة مناسبًا”. ثم أكد المنظم على أن من أحدث ضررًا للغير ليتفادى ضررًا أكبر محدقًا به أو بغيره؛ لا يكون ملزمًا بالتعويض إلا بالقدر الذي تراه المحكمة مناسبً”. وقد أكد المنظم على مسألة مهمة تنفي المسؤولية وذلك من خلال النص على أنه: ” لا يكون الشخص مسؤولًا إذا ثبت أن الضرر قد نشأ عن سببٍ لا يد له فيه، كقوةٍ قاهرةٍ أو خطأ الغير أو خطأ المتضرر؛ ما لم يُتفق على خلاف ذلك”.
ثم انتقل المنظم إلى سبب آخر من أسباب الإباحة وهو أداء الواجب أو ما يسمى بطاعة الرؤساء حيث تم النص على أنه: ” لا يكون الموظف العام مسؤولًا عن عمله الذي أضر بالغير، إذا أداه تنفيذًا لنص نظامي أو لأمر صدر إليه من رئيسه، متى كانت إطاعة هذا النص أو الأمر واجبة عليه، أو كان يعتقد لمبررات مقبولة أنها واجبة، وأثبت أنه كانت لديه أسباب معقولة جعلته يعتقد مشروعية العمل الذي أتاه، وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر” ثم أوضخ المنظم حالة من حالات المساهمة في الفعل الضار وأن تعدد المسؤولين موجب للتعويض وذلك من خلال النص الآتي:” إذا تعدد المسؤولون عن فعل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر، وتعين المحكمة نصيب كل منهم في التعويض وفق القواعد الواردة في هذا الفصل، وإذا تعذر ذلك كانت المسؤولية بينهم بالتساوي” ولم يغفل المنظم مسؤولية المتضرر من خلال النص على أنه:” إذا اشترك المتضرر بخطئه في إحداث الضرر أو زاد فيه، سقط حقه أو بعض حقه في التعويض، وذلك بنسبة اشتراكه فيه.
ثانياً: المسؤولية عن فعل الغير: لم تقتصر المسؤولية التقصيرية على المسؤولية عن الفعل الشخصي فقط وإنما تم النص على المسؤولية عن فعل الغير وذلك من خلال النص الآتي: “من وجبت عليه نظامًا أو اتفاقًا أو قضاءً رقابة شخص لصغر سنِّه أو قصور حالته العقلية أو الجسمية؛ كان مسؤولًا عن الضرر الذي أحدثه ذلك الشخص، إلا إذا أثبت متولي الرقابة أنه قد قام بواجب الرقابة بما ينبغي من العناية أو أن الضرر كان لابد من حدوثه ولو قام بهذا الواجب بما ينبغي من العناية. ثم أكد المنظم السعودي على مسؤولية المتبوع عن أفعال التابع وذلك من خلال النص على أن:” يكون المتبوع مسؤولًا تجاه المتضرر عن الضرر الذي يحدثه تابعه بخطئه أثناء تأدية عمله أو بسبب هذا العمل، إذا كانت للمتبوع سلطة فعلية في رقابة التابع وتوجيهه ولو لم يكن المتبوع حرًّا في اختيار تابعه.” ولمن أدى التعويض عن الشخص الذي وقع منه الضرر في الحالتين المنصوص عليهما في سابقاً حق الرجوع عليه في الحدود التي يكون فيها ذلك الشخص مسؤولًا عن تعويض الضرر.
ثالثاً: المسؤولية عن الضرر الناجم عن الأشياء: المنظم السعودي تطرق إلى تحديد الضرر الناجم عن الأشياء من خلال النص على أن:”
يكون حارس الحيوان مسؤولًا عن تعويض الضرر الذي يحدثه الحيوان؛ ما لم يثبت أن الضرر كان بسبب لا يد له فيه” وكذلك النص على أن :”يكون حارس البناء مسؤولًا عن تعويض الضرر الذي يحدثه تهدّم البناء كله أو بعضه؛ ما لم يثبت أن الضرر لا يرجع سببه إلى إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه”. والنص أيضاً على أن: ” كل من تولى حراسة أشياء تتطلب عنايةً خاصَّةً -بطبيعتها أو بموجب النصوص النظامية- للوقاية من ضررها؛ كان مسؤولًا عمَّا تحدثه تلك الأشياء من ضرر، ما لم يثبت أن الضرر كان بسبب لا يد له فيه” ولكل من كان مهدَّدًا بضررٍ من شيءٍ معيَّنٍ أن يطالب حارسه باتخاذ ما يلزم من التدابير لدرء خطره، فإذا لم يقم باتخاذ هذه التدابير في وقت مناسب فلمن يهدده الخطر أن يحصل على إذن المحكمة في إجرائها على نفقة المالك، ويجوز في حال الاستعجال أن يتخذ ما يلزم من التدابير بغير إذن المحكمة. ومن اهتمام المنظم بحراسة الأشياء عرف الحارس بأنه:” يُعَدُّ حارسًا للشيء من له بنفسه أو بوساطة غيره سلطة فعليّة عليه ولو كان الحارس غير مميز، ويفترض أن مالك الشيء هو حارسه ما لم يقم الدليل على أن الحراسة انتقلت لغيره” وأكد المنظم على أن استعمال الحق في المنافع العامة مقيَّدٌ بسلامة الغير، فمن استعمل حقه في منفعةٍ عامَّةٍ وأضر بالغير ضررًا يمكن التحرز منه كان مسؤولًا عن ذلك الضرر.
رابعاً: التعويض عن الضرر
يكون التعويض بما يجبر الضرر كاملًا؛ وذلك بإعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان فيه أو كان من الممكن أن يكون فيه لولا وقوع الضرر. ويتحدد الضرر الذي يلتزم المسؤول بالتعويض عنه بقدر ما لحق المتضرر من خسارةٍ وما فاته من كسب، إذا كان ذلك نتيجةً طبيعيةً للفعل الضار. ويعد كذلك إذا لم يكن في مقدور المتضرر تفاديه ببذل الجهد المعقول الذي تقتضيه ظروف الحال من الشخص المعتاد. كما أكد المنظم على أن يشمل التعويضُ عن الفعل الضار التعويضَ عن الضرر المعنوي. ويشمل الضرر المعنوي ما يلحق الشخص ذا الصفة الطبيعية من أذى حسيٍّ أو نفسيٍّ، نتيجة المساس بجسمه أو بحريته أو بعرضه أو بسمعته أو بمركزه الاجتماعي. ولا ينتقل حق التعويض عن الضرر المعنوي إلى الغير إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى نص نظامي أو اتفاقٍ أو حكمٍ قضائيٍّ. وتقدر المحكمة الضرر المعنوي الذي أصاب المتضرر، وتراعي في ذلك نوع الضرر المعنوي وطبيعته وشخص المتضرر.
ويُقدر التعويض بالنقد، على أنه يجوز للمحكمة تبعًا للظروف وبناءً على طلب المتضرر أن تقضي بالتعويض بالمثل أو بإعادة الحال إلى ما كانت عليه، أو أن تقضي بأمر معين متصل بالفعل الضار. ويجوز الحكم بأداء التعويض على أقساط أو في صورة إيراد مرتب، وللمحكمة في هاتين الحالتين أن تحكم بإلزام المدين بتقديم ضمان كافٍ. وإذا ترتب على الفعل الضار تلف جسيم تتعذر معه إعادة الشيء للاستعمال المعد له؛ فللمتضرر الاحتفاظ به أو تركه للمتلف، والمطالبة بالتعويض في كلتا الحالتين. و
للمحكمة إذا لم تتمكن من تقدير التعويض تقديرًا نهائيًّا أن تقرر تقديرًا أوَّليًّا للتعويض مع حفظ حق المتضرر في المطالبة بإعادة النظر في تقدير التعويض خلال مدة تعينها. وإذا كان الضرر واقعًا على النفس أو ما دونها فإن مقدار التعويض عن الإصابة ذاتها يتحدد وفقًا لأحكام الضمان المقدّر في الشريعة الإسلامية في الجناية على النفس وما دونها.
خامساً: التقادم
لا تُسمع دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار بانقضاء (ثلاث) سنوات من تاريخ علم المتضرر بوقوع الضرر وبالمسؤول عنه. وفي جميع الأحوال لا تسمع الدعوى بانقضاء (عشر) سنوات من تاريخ وقوع الضرر.
