شركة تضامن للمحاماة

المسؤولية الجنائية

تتميز القاعدة التجريمية التي تحدد الجريمة والعقوبة بأنها قاعدة تعبر عن واقعة قانونية منشئة لعلاقة بين طرفين هما: الدولة والفرد، وتؤهل هذه العلاقة كل منهما لأن تنشأ له حقوق والتزامات متبادلة، فهي تنشئ على عاتق الفرد التزاماً أصلياً، يكون موضوعه غالباً الامتناع عن سلوك، أو الامتناع عن تحقيق واقعة معينة حددنها القاعدة الجنائية في صورة التزام عام، ويستمد هذا الالتزام مصدره من النص الجنائي في شق التكليف الذي يحدد ما هو محظور.

وتتبع المسؤولية الجنائية نوع القاعدة المنتهكة، وحيث أن القاعدة الجنائية تتميز غن بقية القواعد القانونية بالجزاء الذي تقرره، لذلك تم تعريفها بأنها: صلاحية الشخص لتحمل الجزاء الجنائي عما يرتكبه من جرائم، ولمعرفة أساس المسؤولية الجنائية وشروطها وموانعها، سيتم الحديث عن ذلك في المطالب الآتية:

أولاً- أساس المسؤولية االجنائية

لتحديد أساس المسؤولية الجنائية؛ لا بد من التطرق إلى ما توصلت إليه المدارس الفقهية القانونية التي تدور حول فكرتين رئيسيتين، تشكل كل فكرة منهما إطاراً فلسفياً لتحديد أساس المسؤولية الجنائية، وعلى هدي من هذا التحديد ترسم كل مدرسة سياستها الجنائية، وتتمثل هاتان الفكرتان في حرية اختيار السلوك الإجرامي من ناحية، وحتمية السلوك الإجرامي من ناحية أخرى وهما:

مذهب حرية الاختيار

يسمى هذا المذهب بالمذهب التقليدي، ومضمونه أن الإنسان المكلف يملك القدرة على الاختيار، ولديه القدرة على توجيه إرادته الحرة وتقدير أعماله المختلفة وبالتالي بإمكانه أن يختار بين مختلف السبل التي تعرض له ما يشاء دون أن يكون مجبراً على سلوك سبيل بعينه وهذا يتطلب أن يكون مدركا لأفعاله مميزاً لها، بحيث يوجه إرادته المستقلة نحو الاختيار بين بواعث الإقدام على ارتكاب الجريمة، وبواعث الإحجام عن ارتكابها، فإذا ارتكب الإنسان جريمة فان ذلك راجع إلى محض اختياره، فأساس المسؤولية هنا هو الإدراك والاختيار، والعقوبة مفروضة ضماناً لتنفيذ شق العقاب، وجزاءً عادلاً على مخالفة التكليف.

مذهب الجبر

بعد أن ساد المذهب التقليدي زمناً ظهر المذهب الوضعي، الذي يقوم على إنكار حرية الاختيار، وأن الإنسان في تصرفاته يخضع لعوامل متعددة تدفعه إلى ارتكاب الجريمة بدون اختيار منه، وهذه العوامل ترجع إلى الوراثة والبيئة وشخصية الجاني والتركيب الجسماني، والتركيبة الاجتماعية والمستوى التعليمي، مما يجعل إرادته غير حرة، بل إنها تتكيف تبعا للمؤثر الأقوى من بين العوامل المختلفة، وإذا كان الجاني لا خيار له في ارتكاب الجريمة فقد امتنع عقابه طبقاً للمذهب التقليدي، ولكن يمكن عقابه إذا اعتبرت العقوبة وسيلة من وسائل الدفاع عن الجماعة وحمايتها، وعلى أساس فلسفة الجبر يعاقب الإنسان سواءً كان مختاراً أو غير مختار، مدركاً أم غير مدرك، عاقلاً أم مجنوناً.

مذهب الاختيار النسبي (التوفيق بين المذهبين السابقين)

يرى أنصار هذا المذهب أن الإنسان يتمتع بقدر من الحرية المقيدة التي لا يصل تقييدها إلى إملاء الفعل عليه، ولكنه يستطيع التصرف وفق ما يملك منها لكي تقوم المسؤولية، ومهما كان اختيار الإنسان محدوداً فإن لإرادته دخل في الجريمة. ويضيف هذا المذهب إلى المذهب التقليدي فكرة أخرى تعالج القصور الذي يبدو فيه؛ مؤداها أن للمشرع أن يحمي الجماعة من إجرام الأشخاص الذين يمتنع عقابهم لانعدام إدراكهم أو اختيارهم، بأن يتخذ معهم إجراءات خاصة مناسبة لحالتهم، وهذا المذهب هو الذي يسود القوانين الوضعية اليوم.

مذهب الشريعة الإسلامية

يأخذ فقهاء الشريعة الإسلامية بمذهب الاختيار النسبي، مع تميز المذهب الإسلامي بالدقة والمنطقية والصياغة الأفضل، فهو يجعل العقوبة ضرورة اجتماعية ووسيلة لحماية الجماعة، ويفرق في تطبيق وسائل حماية الجماعة بين الشخص المختار المدرك، وبين فاقد الإدراك أو الاختيار، فهي تجعل أساس المسؤولية الجنائية الإدراك والاختيار، والمدرك المختار مسؤولاً كلما خالف أمر الشارع، وتعتبر فاقد الإدراك أو الاختيار غير مسؤول، إلا أنها تجعل العقاب ضرورة اجتماعية ووسيلة لحماية المجتمع، وهذا يجعل من حق الشارع عقاب المسؤول جنائياً بالعقوبة التي تحمي الجماعة منه، كما يجعل من حق الشارع أن يتخذ ضد غير المسؤول الوسائل الملائمة لحماية الجماعة من شره وإجرامه إذا دعت الضرورة لذلك، وما يميز الاتجاه الإسلامي يقيم مسؤولية الإنسان عن أفعاله على أساس حرية اختيار هذه الأفعال، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد قرر مسؤولية الإنسان غن فعله، فقد اقتضت عدالته أن يمنح الإنسان حرية اختيار لتقوم المسؤولية عن الفعل على أساس عادل.

ثانياً- عنصرا المسؤولية الجنائية

تعد المسؤولية الجنائية من أهم المباديء التي يقوم عليها النظام الجنائي، وتؤسس على عنصرين مهمين هما: القدرة على الإدراك، والقدرة على الاختيار، ولا تقوم المسؤولية الجنائية بدون أياً منهما، وذلك على النحو التالي:

1- القدرة على الإدراك

يعد الإدراك أشمل من التمييز، ويقصد به القدرة على فهم وتقدير ماهية وأبعاد الأفعال التي يقوم بها الإنسان وتوقع نتائجها، دون أن يرتبط ذلك بفهمه للقانون، لأنه يعتد بالجهل بالقانون في القوانين الجزائية، وإنما يكفي أن يقدر نتائجه الاجتماعية وفق الدين والقيم والأعراف السائدة، وبذلك يختلف عن الإرادة التي قد تكون واعية وهذا هو الأصل، وقد تكون غير واعية مثل إرادة المجنون الذي تتجه إرادته إلى القيام بالفعل إلا أنه لا يدرك مضمونه والنتائج المترتبة عليه، وبذلك فأنه لم يفقد الإرادة وإنما فقد الإدراك .

1- القدرة على الاختيار

القدرة على الاختيار، هي قدرة الإنسان المكلف على توجيه إرادته لممارسة سلوك معين يتمثل في القيام بفعل أو الامتناع عنه، دون أن يكون هناك تأثيرات خارجية، تقوم بتوجيه الإرادة دون رضا صاحبها، ولا تتحقق القدرة على الاختيار ما لم يسبقها إدراك المكلف لبواعث الإحجام والإقدام على ارتكاب الجريمة، ويكون لديه تصور لهذه البواعث وتقدير لعواقبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *