شركة تضامن للمحاماة

العلاقة بين أقسام النظام الجنائي

السياسة الجنائية التي تقود المنظم أو (المشرع) في أي نظام أو( قانون)، هي انعكاس لحاجات المجتمع ومصالحه وقيمه، وعليه فإن أهمية هذه القيم والمصالح لحفظ كيان المجتمع واستقراره واستمراره، والحرص على حمايتها من أي سلوك يهددها، أسباب تبرر القاعدة الجنائية وتمليها؛ فغاية التشريع الجنائي هي تحقيق الحماية الفعالة للقيم والمصالح الأساسية للمجتمع، وعلى هذا يمكن القول إن المصلحة تدور مع التجريم وجوداً وعدماً، وحرية الفرد وإن كانت محفوظة بموجب الشرع أو النظام؛ إلا إنها ليست مطلقة دون ضوابط، فلو تصرف الفرد دون هذه الضوابط لعمة الفوضى المجتمع، ومن هنا يأتي تدخل النظام أو القانون لتنظيم حرية الأفراد وتحديد نطاقها بما يؤدي إلى حماية المجتمع وتنظيمه ومكافحة الجريمة.

والمعني بمكافحة الجريمة هو القانون الجنائي الذي يتضمن قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجزائية، ولهما بناء على ذلك الهدف ذاته في إطار الشرعية والحرص على حماية الحريات العامة، وقد ترتب على وحدة الانتماء والهدف وجود مبادئ عامة تجمع بينهما، ولكنها لم تحل دون أن تكون لكل منهما ذاتيته وقواعده الخاصة به. ومن الدعائم الأساسية التي يقوم عليها نظام العقوبات مبدأ الشرعية الجنائية؛ إذ ( لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص)، ومؤدى هذا المبدأ أن يتم تعيين ما يعد من الأفعال الصادرة عن الإنسان جريمة، فيحدد لكل جريمة أنموذجها القانوني، كما يحدد لكل جريمة عقوبتها، والوسيلة إلى هذا هو (القاعدة الجنائية) حيث يتضمن شق التكليف بها الأمر والنهي، ويحدد في شق الجزاء بها العقوبة أو التدبير الاحترازي. ولا يمكن اقتضاء حق الدولة في معاقبة الجاني إلا من خلال إجراءات معينة تستهدف تحديد مرتكب الجريمة وتوقيع العقوبة عليه، ومقتضى ذلك أن المجني عليه والدولة لا يملكان توقيع العقوبة مباشرة على مرتكب الجريمة، وإنما توقعها الهيئة المنوطة بذلك؛ من خلال الإجراءات التي رسمها النظام أو القانون.

ولا يمكن تطبيق العقوبات، إلا بعد البدء بكشف الحقيقة من خلال إجراءات محددة، فإذا ثبت أن المتهم لم يرتكب الجريمة المسندة إليه فلا تتوافر الحقيقة التي تبرر توقيع العقاب على هذا المتهم، ولا تملك الدولة قبل صدور حكم الإدانة معاقبة المحكوم عليه والالتجاء إلى التنفيذ المباشر على المتهم؛ ولو اعترف طواعية واختياراً بواسطة أجهزتها المختصة بارتكاب الجريمة، أو قِبل برضائه العقوبة المنصوص عليها، وعلة ذلك أن سلطة الدولة في العقاب تنطوي على مساس جسيم بحرية المتهم، وهو ما لا يمكن إقراره ولا تحديده إلا من خلال إجراءات محددة تكشف الحقيقة وتحدد القدر اللازم للعقاب. وهذا هو القسم الثاني من أقسام النظام الجنائي، المتمثل في قانون الإجراءات الجزائية، الذي يهدف إلى تطبيق أحكام نظام العقوبات، من خلال النصوص التي تنظم الخصومة الجنائية في نشأتها وسيرها حتى انقضائها، وهو بذلك يهدف إلى تحقيق غاية مزدوجة؛ فهو من ناحية يهدف إلى حماية مصالح المجتمع التي كفلها نظام العقوبات، وذلك عن طريق الوصول إلى مرتكبي الجرائم والحكم عليهم بالعقوبات المقررة، ومن ناحية أخرى يكفل صيانة حقوق الأفراد وضمان حريتهم وكرامتهم؛ فليس صحيحاً القول إن نظام الإجراءات الجزائية قد وضع للمجرمين دون غيرهم، فالإجراءات الجزائية تهدف إلى حماية البريء الذي تدفع به الشبهات إلى قفص الاتهام، فيتمكن بواسطة الإجراءات من إظهار الحقيقة وإثبات براءته، وهذا ما يحقق التكامل بين قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية، فكلاهما يهدف إلى تحقيق العدالة الجنائية.

وهذا يؤكد الصلة الوثيقة بين قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية، حيث تبدأ العلاقة منذ اللحظة التي تخالف فيها القواعد التجريمية المنصوص عليها في قانون العقوبات، إذ يعد قانون الإجراءات الجزائية الوسيلة الضرورية لتطبيق قانون العقوبات، وهو الوجه العملي لاتحاد شقي التجريم والعقاب في القاعدة العقابية، كما أن الإجراءات الجزائية المحرك الفعال لقانون العقوبات، لكي ينتقل من دائرة التجريد إلى دائرة التطبيق العملي، فقواعد قانون العقوبات لا تنتقل لطور الحركة والتطبيق إلا من خلال القواعد الإجرائية، إذ لا قيمة لتقرير الحق في العقاب دون تحديد لكيفية اقتضائه، والقواعد الإجرائية لا توجد استقلالاً، وإنما تفترض مسبقاً وجود قواعد موضوعية تحدد الحق الموضوعي في العقاب، والمعايير التي يكيف بناءً عليها سلوك شخص بأنه غير مشروع جنائياً، ويفتح المجال لتطبيق قانون الإجراءات الجزائية، ومن ناحية ثانية، فإن قانون الإجراءات الجزائية يحدد الكيفية التي يطبق بها قانون العقوبات، فيقرر وفقاً لأي القواعد، وطبقاً لأي القوالب والأشكال يمكن أن يثور البحث في المسؤولية الجنائية والعقوبة.

وهناك تلازم بين الدعوى الجزائية وسلطة الدولة في العقاب؛ فلا عقوبة بغير دعوى جزائية؛ فالدعوى الجزائية هي التي تجعل العقوبة لا توقع إلا بعد محاكمة تتم أمام جهاز قضائي مستقل، ووفق إجراءات شرعية تستهدف كشف الحقيقة وتحقيق العدالة، وتراعى فيها الضمانات كافة التي تصون حرية الفرد، كما أن فرض العقوبة عن طريق الدعوى يستهدف تحقيق غرض آخر، وهو تمحيص الأدلة وتهيئة جميع العناصر اللازمة لكشف الحقيقة، حيث تباشر الدولة بواسطة أجهزتها المتخصصة البحث عن الجريمة، وعن الأدلة وإسنادها إلى فاعل معين، وفي ذلك ضمانة مهمة لتحقيق الحماية اللازمة لحرية المواطن، ومنع وقوع الظلم عليه نظراً لمساس العقوبة بالحرية الشخصية.

والإجراءات الجزائية لها خطورتها الخاصة، التي لا تقل بحال عن قواعد التجريم المقررة في الجانب الموضوعي(قانون العقوبات)؛ لأنها تمس مباشرة حريات المواطنين واستقرارهم في حياة اجتماعية كريمة، فالحرية ترتبط بوجود الإنسان وأسلوب حياته، وهي من الأسس التي يبنى عليها المجتمع، ومتى ما تم المساس بهذه الحرية؛ اهتزت ثقة الفرد بالمجتمع وبدأ يسعى إلى البعد عن المشاركة الاجتماعية التي تؤدي إلى المساس بحريته وكيانه.

المحامي الدكتور
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *