شركة تضامن للمحاماة

جريمة غسل الأموال وطبيعتها القانونية

ورد العديد من التعريفات لغسل الأموال، ومن أشمل هذه التعريفات ذلك التعريف الذي يرى أنها: أي فعل أو شروع فيه؛ يهدف إلى إخفاء أو تمويه طبيعة أو كنه المتحصلات المستمدة من أنشطة غير مشروعة؛ بحيث تبدو كما لو كانت مستقاة من مصادر مشروعة، ليتسنى بعد ذلك استخدامها في أنشطة مشروعة داخل الدولة أو خارجها، وأضاف البعض للتعريف عبارة القيام عن علم.

وعرفها نظام مكافحة غسل الأموال السعودي من خلال المادة الثانية بأنها: ( تحويل أموال أو نقلها أو إجراء أي عملية بها، مع علمه بأنها من متحصّلات جريمة؛ لأجل إخفاء المصدر غير المشروع لتلك الأموال أو تمويهه، أو لأجل مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية التي تحصّلت منها تلك الأموال للإفلات من عواقب ارتكابها. و اكتساب أموال أو حيازتها أو استخدامها، مع علمه بأنها من متحصلات جريمة أو مصدر غير مشروع. وكذلك إخفاء أو تمويه طبيعة أموال، أو مصدرها أو حركتها أو ملكيتها أو مكانها أو طريقة التصرف بها أو الحقوق المرتبطة بها، مع علمه بأنها من متحصلات جريمة. بالإضافة إلى الشروع في ارتكاب أي من الأفعال المنصوص عليها في الفقرات (1) و(2) و(3) من هذه المادة، أو الاشتراك في ارتكابها بطريق الاتفاق أو تأمين المساعدة أو التحريض أو تقديم المشورة أو التوجيه أو النصح أو التسهيل أو التواطؤ أو التستر أو التآمر.

ويختلف التعامل مع جريمة غسل الأموال باختلاف التشريعات العقابية ونظرتها إلى هذه الجريمة، من حيث التوسع في مفهومها، أو اقتصاره على جرائم معينة، أو من حيث (تكييفها القانوني). وعلى الرغم من هذا الاختلاف إلا أن هناك بعض العناصر الأساسية التي تتفق عليها هذه التشريعات التي لا بد من وجودها لاكتمال أركان الجريمة حتى نكون بصدد جريمة غسل أموال، ومرد هذا الاختلاف إلى أن جريمة غسل الأموال جريمة متجددة ومتطورة؛ يستخدم في ارتكابها أحدث الأساليب التكنولوجية لإتمامها والوصول إلى إخفاء المصدر غير المشروع للأموال. كما أن من أسباب الاختلاف الرئيسة حداثة التشريعات العقابية وندرة التطبيقات القضائية لجرائم غسل الأموال على المستوى الدولي.

وجريمة غسل الأموال تقع على أموال مستمدة من أنشطة غير مشروعة تخالف الشرع أو النظام أو القانون، بهدف قطع الصلة بينها وبين هذه الأنشطة، عن طريق إخفاء أو تمويه الأصل الحقيقي لهذه الأموال وكيفية الحصول عليها، ومن ثم إدخالها في الاقتصاد المشروع، ودمجها فيه لتبدو في نهاية المطاف وكأنها مشروعة المصدر.

وقطع الصلة بين الأموال والجريمة المصدر؛ هدف رئيس لغاسلي الأموال، بحيث يتم التمويه والإخفاء لأصل هذه الأموال؛ بهدف البعد عن الملاحقة القانونية التي تتسم بالصعوبة في أغلب الأحيان، وذلك لإدخال هذه الأموال في عمليات معقدة ومتعددة وفي بلدان مختلفة، وتحتلف عن بقية الجرائم من حيث طبيعتها القانونية وعلاقتها بالجريمة المنظمة، و يرى أغلب الشراح أن جريمة غسل الأموال من الجرائم الشكلية التي لا يشترط لقيامها تحقق النتيجة المقصودة من السلوك المكون للجريمة، بل يكفي مجرد انصراف القصد الجنائي إلى تحقق هذه النتيجة، وهي جريمة تابعة؛ تفترض سبق ارتكاب جريمة أولية نتج عنها أموال غير مشروعة، وبمعنى آخر فإن جريمة غسل الأموال جريمة لاحقة لأنشطة جرميه حققت عوائد مالية غير مشروعة، ومن ثم يسعى الحائزون لهذه العوائد أو الأموال القذرة إلى إسباغ المشروعية عليها

وبالمفهوم السابق فإن جريمة غسل الأموال وإن كانت مستقلة من حيث التكييف القانوني لها، إلا أنها لا يمكن وجودها ما لم يكن هناك أموال أو متحصلات مستمدة من مصدر إجرامي أو غير مشروع أو غير نظامي، فهي عبارة عن سلوك محدد يترتب على سلوك إجرامي سابق، ويستهدف الوصول إلى غاية معينة لتبرير هذا السلوك، ويستخدم وسائل مختلفة تقليدية أو تقنية لتحقيق هذه الغاية. وجريمة غسل الأموال من الجرائم التي ترتكب من قبل الأشخاص مثلها مثل الجرائم الأخرى، كما أنها تتم عن طريق مجموعة منظمة من الأشخاص، طبيعية كانت أم اعتبارية، تتوزع الأدوار فيما بينها في هيكل تنظيمي منظم تنظيماً دقيقاً، على أساس أن العملية تتم على مراحل لكل مرحلة آلياتها وأدواتها، وترتبط بالعديد من الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخطرة في ذاتها، كما أنها وإن كانت ترتكب داخل إقليم الدولة، إلا أنها قد تتجاوز بطبيعتها حدود إقليم الدول والقارات، وهذا ما يؤكد أن غسل الأموال على علاقة وثيقة بالجريمة المنظمة، خصوصاً بجرائم المخدرات، وتجارة الرقيق الأبيض، وتهريب الأسلحة، وجرائم الإرهاب وتمويله، التي باتت تشكل تحدياً أمنياً وقانونيا جديداً.

المحامي الدكتور
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *