إذا كان الأصل أن يُطبق النظام من وقت نفاذه بالنسبة إلى الوقائع التي تستجد بعد ذلك التاريخ، فإن الاستثناء من هذا الأصل معناه انصراف النظام الجديد إلى وقائع سبقت وجوده ولم تكن من ثم خاضعة لسلطانه، على أن الاستثناء من مبدأ عدم الرجعية مقصور فقط على النصوص الأصلح للمتهم، فيكون لهذه النصوص سلطان ممتد إلى وقت لم تكن سارية فيه، فإذا ارتكب شخص فعلاً يُعد وقت ارتكابه جريمة ثم صدر نظام يمحو عن الفعل صفته الإجرامية أو ينزل بالعقوبة المقررة له، كان هذا النظام أصلح للمتهم.
فالفرض المتصور أننا أمام قاعدتين نظاميتين جنائيتين، أو نصين نظامين جنائيين موضوعيين، أحدهما أصلح للمتهم والآخر ليس أصلح له، ومن أصول الحماية الجنائية لحقوق الإنسان في هذا الصدد، والتزاماً بضوابط الشرعية الموضوعية، أن يطبّق النظام الأصلح للمتهم على الماضي بينما لا يطبق النظام الآخر إلا على الوقائع التي ارتكبت بعد نفاذه، ومبرر ذلك أن حق الدولة في العقاب محكوم بغاية تحقيق العدل بالنسبة إلى المتهم، وغاية تحقيق الاستقرار بالنسبة إلى المجتمع. والفرض في النظام الجديد أنه أفضل من سابقه، ولهذا فهو يحقق على نحو أكمل استقرار المجتمع، بدليل أن السلطة القائمة على رعاية شؤون المجتمع قد ألغت النظام القديم وأحلت محله النظام الجديد، هذا بالنسبة إلى غاية الاستقرار، أما بالنسبة إلى غاية العدل فلاشك أن المتهم يرحب بتطبيق النظام الجديد لأنه يُوجد له وضعاً أفضل من وضعه السابق في ظل النظام القديم وبهذا لا تضار مصالحه كما لا تضار مصالح المجتمع سواءً بسواءً .
وتطبيق النظام الأصلح وإن رآه بعض العلماء مجرد استثناء من قاعدة عدم الرجعية، إلا إنه يُمثل قاعدة من قواعد الحماية الجنائية لحقوق الإنسان لها فلسفتها وشروط تطبيقها وحكمتها، وتضمن ضابطاً من ضوابط المشروعية في هذا المجال، كما ينتج من ذلك أيضاً أن تطبيق النظام الجنائي الموضوعي الآخر الذي لا يُحسّن مركز المتهم النظامي، فُيبقي عليه كما هو أو يسيء إليه يكون بأثر فوري على الوقائع التي ترتكب بعد تاريخ نفاذه، وعدم تطبيقه على الماضي بأثر رجعي يُمثّل أيضاً قاعدة من قواعد الحماية الجنائية لحقوق الإنسان لها فلسفتها وشروط تطبيقها وحكمتها المستقلة، وتضحي أيضاً ضابطاً من ضوابط المشروعية الموضوعية.
ورجعية النظام الأصلح للمتهم أصبحت ضرورة حتمية يقتضيها صون الحرية الشخصية بما يرد عنها كل قيد غدا تقريره مفتقراً إلى أية مصلحة اجتماعية، ويتحقق ذلك بوجه خاص حين يعود النظام الجديد بالفعل كلية من منطقة التجريم إلى دائرة الإباحة وهي الأصل، مقرراً أن ما كان مؤثماً لم يعد كذلك. ذلك أن الفلسفة التي كان النظام القديم ينطلق منها ويعاقب على كل فعل يناقضها قد أسقطتها فلسفة جديدة اعتنقتها الجماعة في واحد من أطوار تقدمها بما مؤداه انتفاء الضرورة الاجتماعية الكامنة وراء إنفاذ أحكامه، وحمل المخاطبين بها على الرضوخ لها، وبذلك يتعين كلما صدر نظام جديد يعيد الأوضاع إلى حالها قبل التجريم أو يضع أحكاماً لصالح المتهم أن ترد إلى أصحابها الحرية التي كان النظام القديم ينال منها، وأن يرتد هذا النظام على عقبيه إعلاءً لقيم النظام الجديد، ولا إخلال في ذلك بالنظام العام، ذلك أن رجعية النظام الأصلح أدى إلى تثبيته بما يحول دون انفراط عقده على تقدير أن إعماله منذ صدوره أكفل لحقوق المخاطبين بالنظام القديم وأصون لحرياتهم.
وهناك ثمة قاعدتان تجريان معاً وتتكاملان: أولاهما أن مجال سريان النظام الجنائي ينحصر أصلاً في الأفعال اللاحقة لنفاذه، وثانيهما: سريان النظام اللاحق على وقائع كان يؤثمها نظام سابق كلما كان النظام الجديد أكثر يسراً، وتكامل هاتين القاعدتين مؤداه أن الثانية فرع من الأولى ونتيجة حتمية لها، وكلتيهما معاً تعتبران امتداداً لازماً لقاعدة شرعية الجرائم والعقوبات، ولهما معاً القيمة الدستورية ذاتها، ولكي يكون للنظام أثر رجعي يجب أن يتوافر شرطان: الأول: أن يكون النظام الجديد أصلح للمتهم، والثاني: أن يصدر النظام الجديد قبل الحكم في الدعوى نهائياً.
فصلاحية النظام للمتهم هي علة الاستثناء فإذا لم يكن النظام الجديد أصلح للمتهم فلا يطبق، وإنما يطبق النظام الذي كان معمولاً به وقت الفعل، كما لو كان النظام الجديد ينص على عقوبة أشد، أو كان حكمه متفقاً مع حكم النظام السابق، فإذا كان أصلح للمتهم كان هو الواجب التطبيق.
وتحديد إذا ما كان النظام الجديد أصلح من القديم يقتضي المقارنة بين الوضعين النظاميين الناشئين عنهما، والتأكد من أن الوضع الذي ينشئه النظام الجديد أفضل ـ بالنسبة إلى متهم معين ـ من الوضع الناشئ على النظام القديم، وتقتضي هذه المقارنة أن تؤخذ في الحسبان كل عناصر الوضع النظامي للمتهم، وينبغي أن تكون المقارنة بالنسبة إلى متهم بالذات، لا بالنسبة إلى مجموعة من المتهمين تتفاوت ظروفهم. وبديهي أنه لا خيرة للمتهم في النظام الواجب التطبيق؛ إذ إن تعيين النظام الأصلح، أي النظام الواجب التطبيق هو من عمل القاضي ولا شأن للمتهم به، وينبغي قبل البحث في صلاحية النص التحقق من أن لهذا النص صفة النظام، كونه يضع قواعد عامة مجرّدة، أما إذا كان النص الجديد خاصاً بحالة معينة فليست له صفة النظام، ولا محل للبحث في صلاحيته.
أما بخصوص صدور النظام الجديد قبل الحكم النهائي فإنه لا يطبق النظام الأصلح للمتهم إلا إذا كان قد صدر وأصبح نافذاً قبل الحكم في الدعوى نهائياً، وعلته أن مركز المتهم لا يتحدد إلا بالحكم النهائي. والمقصود بالحكم النهائي، هو الحكم البات، أي الذي أُستنفذ في شأنه طرق الطعن فصار لا يمكن إلغاؤه، والمراد بصدور النظام، إصدار رئيس الدولة له، ويعني ذلك أن القاضي يلتزم بتطبيق النظام الجديد الأصلح للمتهم بمجرد صدوره دون حاجة إلى انتظار نفاذه، وتتضح أهمية هذا التحديد إذا أضيف نفاذ النظام إلى أجل؛ إذ يتعيّن تطبيقه ولو لم يحل هذا الأجل. ومفاد ما سبق أن هذا الشرط هو ألا يكون قد صدر النظام الجديد بعد حكم بات في الدعوى تطبيقاً للنظام السابق، ويكفي أن يكون ذلك النظام الأصلح قد صدر قبل صدور هذا الحكم ولا يلزم أن يكون قد نُشر ومضت على نشره المدة المقررة.
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
