وتعني قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية الموضوعية أن نص التجريم لا يسري على الأفعال التي ارتكبت قبل هذه اللحظة، فالنص الواجب التطبيق على الجريمة هو النص المعمول به وقت ارتكابها، وليس النص المعمول به وقت محاكمة مرتكبها ولهذه القاعدة نتيجتان مرتبطتان: الأولى: أنه لا يجوز أن يطبق نص التجريم على فعل ارتكب قبل العمل به وكان مباحاً في ذلك الوقت، فمرتكب هذا الفعل لا يجوز أن يوقع عليه عقاب على الرغم من العمل بالنص الذي يجرم فعله.
والثانية: أنه لا يجوز أن يطبق نص تجريم على فعل ارتكب قبل العمل به، وكان معاقباً عليه بعقوبة أخف مما يقضي به ذلك النص، فمرتكب هذا الفعل لا يجوز أن يوقع عليه عقاب يزيد عما كان يقضي به النص السابق الذي كان معمولاً به وقت ارتكاب الفعل.
والحكمة من تقرير عدم رجعية النصوص الجنائية المجرمة إلى الماضي، هي: أن تلك القواعد تتضمن الحد من حريات الأفراد وحقوقهم وليس من العدل معاقبتهم عن أفعال كانت مباحة وقت أن اقترفوها، أو الحكم عليهم بعقوبات أشد من تلك التي كانت مقرّرة في ذلك الوقت، والقول بغير ذلك يعني محاسبة الأفراد عن أفعال ارتكبت في وقت لا توجد فيه تلك القاعدة الجنائية المجرمة، وفي هذا إهدار لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. وقد أصبحت من مسلّمات الفكر القانوني الحديث، خصوصاً في مجال حقوق الإنسان، ومن ثم فهي أحد ضوابط الشرعية الموضوعية، التي إن خالفها المنظم في تشريعه الجنائي اتسم هذا التشريع بعدم الشرعية وتعيّن القضاء بعدم دستوريته، وليس من العدالة في شيء محاسبة الأفراد وفقاً لحكم نظام كانوا يجهلونه وقت ارتكاب الجريمة، ولأن القول بغير ذلك يؤدي إلى نتائج غير مقبولة بصفة عامة وفي مجال الحماية الجنائية لحقوق الإنسان بصفة خاصة. وهي الحكمة نفسها التي من أجلها شُرع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات لحماية حرية الأفراد وعدم إيقاعهم في الحرج فيما يقدمون عليه من أفعال، ومن ثم الحد من نشاطهم، كما أن العدالة تقضي بكفالة احترام الحقوق المكتسبة، وألا يطلب من الأفراد احترام قوانين يجهلونها تأتي في المستقبل وتعاقب على أفعال ارتكبوها في الماضي وكانت مشروعة آنذاك.
ولتطبيق مبدأ عدم رجعية نظام العقوبات يلزم التأكد من التالي
التحقق من تاريخ النظام الجديد ؛ لأن هذا التاريخ هو الفيصل في تحديد نطاق سريانه من الناحية الزمنية، فما كان سابقاً من الوقائع على هذا التاريخ لا يخضع لذلك النظام، بعكس ما كان منها لاحقاً فإنه خاضع لسلطانه، ومن ثم فلتطبيق قاعدة عدم الرجعية لابد من معرفة تاريخ صدور النظام ونفاذه.
تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة؛ فيجب أن يكون النظام المراد تطبيقه سابقاً على تاريخ ارتكاب الجريمة، فهذا التاريخ هو الذي يحدد المركز النظامي للمتهم، ويصادف تحديد وقت ارتكاب الجريمة بعض الصعوبات في بعض أنواع الجرائم التي لا تكتمل في لحظة واحدة أو بعمل واحد ومن ذلك :
إذا وقع النشاط الإجرامي في لحظة معينة ثم حدثت النتيجة في أخرى، والراجح وجوب تطبيق النظام المعمول به وقت النشاط الإجرامي.
إذا استمر وقوع الجريمة (كالاتفاق لجنائي) إلى فترة تخللها نظامان وجب تطبيق النظام الجديد ولو كان أشد على المتهم، ما دامت الجريمة المستمرة قد وقعت بعد العمل به.
إذا كانت الجريمة متتابعة الأفعال بحيث يعتبر كل جزء منها جريمة في حد ذاته، كمن يسرق منزلاً على مرات عدة، وجب تطبيق النظام الجديد ولو كان أشد على المتهم، ما دام أن كل جزء من الجريمة ينطبق عليه في حد ذاته وصف التجريم.
إذا كانت الجريمة من جرائم الاعتياد التي لا تقع إلا بتكرار ارتكاب فعل معين، مثل جريمة الاعتياد على الربا الفاحش، ففي هذه الحالة رأى بعض العلماء عدم انطباق النظام الجديد إلا إذا كانت جميع الأفعال التي يتوافر بها عنصر الاعتياد قد وقعت في ظل هذا النظام.
إذا صدر نظام جديد يعتبر الجاني عائداً إلى الإجرام بناءً على جرائم ارتكبها قبل هذا النظام، ولم تكن من قبل صالحة لاعتبارها عنصراً في العود، والراجح في هذه الحالة اعتبار المتهم عائداً رغم تأسيس توافر حالة الاعتياد على جرائم سابقة على النظام الجديد، ما دام الجريمة التي سيحاكم عنها وقعت في ظل هذا النظام الأخير.
عدم رجعية نظام الإجراءات الجزائية
إذا كان المبدأ بالنسبة إلى القواعد الموضوعية هو عدم رجعيتها إلى الماضي إلا إذا كان النظام الجديد أصلح للمتهم، فإن المبدأ بالنسبة إلى القواعد الإجرائية أو الشكلية هو مبدأ السريان الفوري المباشر، ويرجع السبب في ذلك إلى أن هذه الإجراءات الشكلية عموماً هي إدراك الحقيقة بأسرع وقت دون مساس بالقواعد المتعلقة بالتجريم والعقاب التي تقصدها الدساتير والأنظمة في تقريرها عدم رجعية أحكامها على الماضي، ومن ثم فإن المتهم لا يضار قط من سريان هذه القواعد مباشرة عليه.
والقواعد الإجرائية تخضع في سريانها من حيث الزمان لمبدأ التطبيق الفوري على الإجراءات التي تتخذ عقب العمل بها، بصرف النظر عن تاريخ وقوع الجريمة التي تُتخذ هذه الإجراءات بشأنها، والمنظم إذا رأى أن يُعدّل في القواعد النظامية المنظّمة لهذه الإجراءات افترض أن هذا التعديل يقود إلى تطبيق أفضل وأكثر عدالة من القواعد السابقة، وهذا الأصل العام غير منصوص عليه في نظام الإجراءات الجنائية ولكنه يستنتج من سبب التعديل في الإجراءات.
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
