شركة تضامن للمحاماة

مبدأ الأصل في المتهم البراءة

يهيمن أصل البراءة على كافة مراحل الدعوى المختلفة ولا يقتصر إعماله على مرحلة دون أخرى؛ فهو ينطبق على المشتبه فيه قبل اتهامه رسمياً بارتكاب أي جريمة؛ تمهيداً لتقديمه إلى التحقيق والمحاكمة، ويستمر هذا الحق قائماً إلى أن يتم تأييد حكم الإدانة، وصيرورته باتاً، ويجب معاملة كل متهم بجريمة مهما بلغت جسامتها بوصفه شخصاً بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات. .

وهذا المبدأ سببه أن التشريعات تحمي الوضع الظاهر للإنسان المفترض أنه بريء، ومن يدعي خلافه فعليه إثبات ذلك؛ ومن جهة أخرى تشكل تلك القاعدة مبدأً أساسياً من المبادئ التي تقوم عليها الشرعية الإجرائية، كونها تحفظ للمدعى عليهم حرياتهم، وتصون حقوقهم، وتكفل معاملتهم المعاملة اللائقة طيلة سير الدعوى الجنائية وخصوصاً مرحلة المحاكمة، وهذا المبدأ تقضي به طبيعة الأمور؛ فالأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته، ذلك أنه من دونها يكون المتهم مطالباً بإثبات موقف سلبي هو أنه لم يرتكب الجريمة، وهو أمر متعذر، بل يكاد يكون مستحيلاً، ولذلك تعد البراءة أصلاً في الإنسان ويتمتع بها كل شخص بالقوة ذاتها، سواءً كان مشتبهاً فيه أم كان متهماً بجريمة؛ أي سواء كان ذلك في مرحلة الاستدلال، أم في مرحلة التحقيق الابتدائي، أم في مرحلة المحاكمة، وينبغي أن تظل حريته الشخصية قبل ثبوت إدانته مصونة لا تمس إلا في أضيق الحدود من جهة، ولضرورة التحقيق من جهة أخرى.

وتعد مصادر الحماية الجنائية من الأسس التي يوجد فيها أصل البراءة، الذي يؤسس على فطرة الإنسان التي جبل عليها، فقد ولد بريئاً، ويُفترض على امتداد مراحل حياته أن أصل البراءة لا يزال كامناً فيه مصاحباً له فيما يأتيه من أفعال، وافتراض براءة المتهم هو الضمانة الأولى التي تقي الفرد مخاطر سوء الاتهام والاقتناع المتعجل، وهذان الأمران يعدان المصدر الرئيس للأخطاء القضائية، ولكي تقل فرص الوقوع في الأخطاء القضائية يلزم أن يجري الكشف عن الحقيقة في إطار افتراض براءة المتهم إلى أن يقوم الدليل على إدانته، فالاقتناع المسبق والتصور الذهني المصاحب لارتكاب الجريمة قد يؤدي إلى التأثير في مجريات تتبع الجريمة لمحاولة إثباتها، ومن ثم المساس بافتراض براءة في المتهم.

وقاعدة الأصل في الإنسان البراءة مبنية في الشريعة الإسلامية على استصحاب البراءة الأصلية، ومن هذه القاعدة جاء مبدأ افتراض براءة المتهم التي تم استنباطها وهي مجهولة من أصل براءة الإنسان بصفة عامة وهي معلومة ومبنية على دليل الاستصحاب، وقد اهتدى فقهاء الشريعة الإسلامية عن طريق القواعد الفقهية المتعلقة بالاستصحاب إلى التكييف الصحيح لقاعدة افتراض براءة المتهم، فكان لهم قصب السبق في القول إن البراءة أصل في الإنسان، وليست مجرد قرينة كما يقول بذلك بعض فقهاء القانون الوضعي.

ويعني الاستصحاب أن: العلم بكون الشيء موجوداً أو معدوماً يقتضي ظن بقائه على تلك الحال في الماضي والمستقبل، وهو الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل، حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، كما تم تعريفه بأنه: جعل الحكم الذي كان ثابتاً في الماضي باقياً في الحال حتى يقوم دليل على تغييره، فإذا ثبت أمر من الأمور في وقت من الأوقات، فإنه يُحكم بثبوته فيما بعد ذلك، إلا إذا وجد دليل يُغيّره، وإذا انتفى أمر من الأمور في وقت من الأوقات، فإنه يبقى منتفياً فيما يستقبل من الزمان حتى يرد دليل على إثباته.

وقد أرست قواعد الشريعة الإسلامية في مجال النظام الجنائي، قاعدة اليقين لا يزول بالشك ، وقاعدة الأصل براءة الذمة، وقاعدة الأصل بقاء ما كان على ما كان، وقاعدة الأصل في الأمور العارضة العدم. وقاعدة الأصل في الأشياء الإباحة.

وقد ذكر بعض فقهاء المسلمين تعبيراً عن هذا الأصل وتأكيداً له أن ” الجرائم لها عند التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجبه الأحكام الشرعية”، كما ورد أن الأصل في الإنسان براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات.

وخلاصة القول أن مبدأ الأصل في الإنسان البراءة هو الذي يحدد نطاق حقوق المشتبه فيه ويكفل ضمان حريته الشخصية، فلا يجوز أن يتعرض لأي إجراء ماس بحريته إلا في إطار الشرعية الإجرائية الذي يمثل مبدأ افتراض براءة المتهم ركناً أساسياً من أركانها، والتي تحدد حدود أي إجراء جنائي.

المحامي الدكتور
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *