شركة تضامن للمحاماة

مبدأ الشرعية الجنائية

من القواعد الأساسية المقرّرة في التشريع الحديث، ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص أو بناءً على نص، سواءً كان هذا النص شرعي أو نظامي، والنص الشرعي ثابت فيما يخص بعض الجرائم بينما النص النظامي يصدر من المنظم وحده وهو الذي يملك بيان الأفعال المعاقب عليها وتحديد العقوبات التي توقع على مرتكبيها وفي حدود النصوص النظامية في ذلك يتحدد سلطان القاضي، فهو لا يستطيع أن يقرّر عقوبة لفعل لم يرد نص بالعقاب عليه، ولا أن يوقع عقوبة غير ما نُص عليه وفي الحدود المبيّنة بالنظام مهما كان الفعل المعروض عليه منافياً للآداب أو ضاراً بالمصلحة.

ويُعد مبدأ الشرعية الجنائية حجر الزاوية للنظام الجنائي بأسره، فمنه تتفرع وحوله تدور المبادئ التي تحكم القواعد الجنائية كافة موضوعية كانت أو إجرائية. لأن الشرعية الجنائية هي التي تهيمن على القواعد الجنائية الموضوعية، ويُطلق عليها أيضاً شرعية التجريم والعقاب، وقوام هذه الشرعية هو فكرة التحذير السابق، أو الإنذار السابق، فالمنظم عليه أن يُحذر الأفراد بموجب القواعد الجنائية التي يسنها من إتيان أفعال معينة أو الامتناع عن أفعال معينة، حتى يوجهوا سلوكهم على نحو يتفق مع هذه القواعد تجنباً لتوقيع العقاب المقرر عليهم.

ويعد مبدأ الشرعية الجنائية ضماناً من الضمانات الأساسية لحقوق الإنسان في المواد الجنائية، فهو حام لحق الأفراد في الحرية الشخصية؛ لأن الإنسان في حالة عدم وجود هذا المبدأ يكون مهدداً في كل عمل يقدم عليه بأنه قد يعاقب عليه فتكون النتيجة الحد من نشاط الأفراد وحقهم في العمل، ومن المعلوم أن العقاب في جميع صوره يتضمن انتقاصاً من حقوق الأفراد وحرياتهم نتيجة لمخالفتهم النظام، فإذا كان هناك عقاب دون وجود نص وقت ارتكاب الفعل فمعنى ذلك الظلم ، وهكذا نجد أن المبدأ يقوم على فكرتي العدالة والحرية.

ولقد سبق الإسلام القوانين الوضعية التي تدعي إقرار هذا المبدأ والأخذ به كضمانة من ضمانات حقوق الانسان في مواجهة السلطة ويؤكد ذلك ما ورد في القواعد الفقهية والنصوص القرآنية الكريمة التي تعد المصدر الأساس لهذه القواعد التي نصت على أنه: «لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع»، أي أن أفعال المكلف المسؤول لا يمكن وصفها بأنها محرّمة ما دام لم يرد نص بتحريمها، ولا حرج على المكلّف أن يفعلها أو يتركها حتى يُنص على تحريمها . وهناك قاعدة أخرى تقضي بأن: «الأصل في الأشياء الإباحة». أي أن الفعل والترك مباح في الأصل بالإباحة الأصلية حتى يدل الدليل على التحريم، فما لم يرد فيه نص يحرمه فلا مسؤولية على الفاعل أو التارك.

وهاتان القاعدتان تؤديان معنى واحداً وهو أنه لا يمكن اعتبار فعل أو ترك جريمة إلا بنص صريح يُحرّم الفعل أو الترك، فإذا لم يرد نص يُحرّم الفعل أو الترك فلا مسؤولية ولا عقاب على فاعل أو تارك، ولمّا كانت الأفعال المحرّمة لا تعتبر جريمة في الشريعة بتحريمها وإنما بتقرير عقوبة عليها سواءً كانت العقوبة حداً أو تعزيراً فإن المعنى الذي يُستخلص من ذلك كله هو أن قواعد الشريعة الإسلامية تقضي بأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص.

وهذه القواعد الفقهية التي تقطع بأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص في الشريعة الإسلامية، لا تستند فيما جاءت به إلى العقل والمنطق، ولا تستند إلى نصوص الشريعة العامة التي تأمر بالعدل والإحسان وتُحرّم الظلم والحيف، وإنما تستند إلى نصوص خاصة صريحة في هذا المعنى منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾الإسراء الآية15، وقوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا ﴾القصص الآية59،وقوله تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾النساء الآية 165، وقوله تعالى: ﴿ وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾الأنعام الآية 19، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾الأنفال الآية 38، والنصوص السابقة قاطعة في أن لا جريمة إلا بعد بيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار، وأن الله لا يأخذ الناس بعقاب إلا بعد أن يُبيّن لهم وينذرهم على لسان رسله، وأنه ما كان ليكلف نفساً إلا بما تطيقه.

المحامي الدكتور
ناصر بن محمد البقمي
0554331183
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *