الإثبات يمثل إقامة الدليل لدى السلطات المختصة بالإجراءات الجنائية على حقيقة واقعة ذات أهمية قانونية، وذلك بالطرق التي حددها القانون، وهو في المواد الجنائية موضوع أزلي؛ لأنه مرتبط على الدوام بكل جديد قضائي يبذل في سبيل إظهار الحقيقة الواقعية، وهو موضوع أصيل؛ إذ من خلاله يضع القضاء الجنائي كلمته في أمر الدعوى الجنائية؛ لأنه إذا كان صحيحاً أن ظهور الحقيقة الواقعية هو الغرض النهائي لكل دعوى جنائية، فإن هذه الحقيقة لا يمكن أن تظهر إلا بعد البحث عنها، وثبوتها بالأدلة. وللقاضي الجنائي سلطة تقديرية في تقدير الأدلة، واستنباط القرائن، وما تحمله من وقائع ودلالات، من خلال وزن عناصر الدعوى، وفهم وقائعها، والتثبت من تحققها . وموضوع هذه السلطة ليس القاعدة القانونية، وإنما مفترضات تطبيقها، والأمر القانوني الذي تنظمه .
وتنقسم طرق الإثبات إلى قسمين هما: طرق مباشرة، وطرق غير مباشرة، والطرق المباشرة هي التي تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات؛ لأنها تنطوي في ذاتها على القوة الإقناعية الدامغة، ويبني القاضي عليها قناعته بثبوت واقعة معينة، ومجرد تقديمها محاطة بضمانات معينة يتيح للقاضي فرصة الحصول على العلم بالوقائع المراد إثباتها.
وهذه الطرق غالباً ما يكون متحصلاً عليها من التحقيقات الشخصية للقاضي، مثل المعاينة، ونتائج تقرير الخبراء، والشهادة، ومضمون المستند المكتوب، أو الرسائل المتحصلة بطرق مشروعة، أو المحاضر الرسمية، أو الاعتراف، والتي تعد أدلة مباشرة؛ لأنها تفيد العلم، واليقين، وتساعد على تكوين عقيدة القاضي حيال الواقعة المعروضة أمامه، أما الطرق غير المباشرة فهي التي لا تنصب دلالتها على الواقعة المراد إثباتها، وإنما على واقعة أخرى تسبقها، أو تنتجها بمحض اللزوم العقلي، وبين الواقعتين صلة سببية منطقية، بحيث يتمكن القاضي – وفقاً لقواعد الاستنباط المنطقي- أن يستخلص من إثبات هذه الواقعة ثبوت ارتكاب الجريمة، ونسبتها إلى المتهم، وتتمثل الطرق غير المباشرة في القرائن . وتنقسم نظم الاثبات الجنائي إلى قسمين هما: نظام الأدلة القانونية، ونظام الاقتناع القضائي :
نظام الأدلة القانونية
يعد نظام الأدلة القانونية أقدم أنظمة الإثبات، ومضمونه أن يتولى المنظِّم (المشرِّع) تحديد الأدلة التي يتمكن القاضي بمساعدتها من معرفة الحقيقة، وتكون مقبولة في الإثبات، وتحديد القيمة القانونية لكل دليل، ويُحظر على القاضي أن يقبل أدلة سواها، ولا تكون له السلطة التقديرية في رفضها.
وتعني النتائج العملية لهذا النظام، أنه إذا توافرت أدلة الإدانة بشروطها التي يحددها القانون؛ التزم القاضي بإدانة المتهم ولو كان غير مقتنع بإدانته، و لو لم تتوافر هذه الشروط التزم القاضي بتبرئة المتهم ولو كان مقتنعاً بإدانته، ولا عبرة بالاقتناع الشخصي للقاضي، ويهدف هذا النظام إلى تحقيق مزيد من العدالة وحماية المتهمين من التحكم والسيطرة من قبل القائمين على جهاز القضاء، ولكن هذا الهدف أدى في كثير من الحالات إلى عدم تمكن القضاء من إثبات الوقائع مما اضطره إلى الحكم بالبراءة، الأمر الذي أدى إلى إفلات كثير من الجناة من العقاب.
نظام الاقتناع القضائي
ويمنح هذا النظام للقاضي حرية الاستعانة بكافة طرق الإثبات التي يراها موصلة إلى الكشف عن الحقيقة في أمر الدعوى المطروحة عليه، فباب الإثبات مفتوح على مصراعيه، وليست هناك أدلة محددة يكون وجودها كافياً ولازماً لاقتناع القاضي، وتخلفها يتخلف عنه – حتماً – عدم اقتناع القاضي، فكل الأدلة سواء؛ ولذا سمي هذا النظام بحرية الإثبات، الذي يمنح القاضي سلطة قبول جميع الأدلة، والاعتراف له بتقدير كل دليل، وتقدير قيمة الأدلة مجتمعة، واستخلاص النتيجة التي تمثل اقتناعه الشخصي . وجوهر هذا النظام هو تخلي المنظِّم (المشرِّع) عن السلطات التي كان يستأثر بها في نظام الأدلة القانونية، ونقل هذه السلطات للقاضي، فإذا كانت الحقيقة بغيته فعليه أن ينشدها أنّى وجدها، ومن أي سبيل يجده مؤدياً إليها، ولا رقيب عليه في ذلك غير ضميره وحده، وعلى ذلك فهو مبني على إطلاق الأدلة، وحرية القاضي، ودوره الإيجابي.
الدكتور/ ناصر بن محد البقمي
أستاذ العلوم القانونية المشارك
